قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٩٨ - ذكر المقام السادس من مشاهدة المقربين
[الشورى: ٢٦]، و لكن كيف يسمع من ينادي من مكان بعيد و كيف يبصر من القفل على قلبه عتيد و كيف يستجيب من لا يسمع و كيف يشهد من لا يبصر و قد قال الرسول صلّى الله عليه و سلم: حبك للشيء يعمي و يصمّ. فالهوى يعمي عن الحق و الشهوة تصم عن النصح و الصدق، و كذلك لو أحببته لنظرت إليه و لو نظرت إليه لعميت عمن سواه و لو أقبلت عليه لاستمعت إليه و لو سمعت لصممت عن غيره و لو أحبك لكان سمعك و بصرك و قلبك و يدك و ناصرك و مؤيدك تدعوه فيجيبك و تسأله فيعطيك و تنصح له فينصح لك. كذلك جاء الخبر بذلك فشغلك به عنك و فرغك له منك فكيف تسمع عنه و تنظر إليه و تتقلب عنده و تتحرك به لا بنفسك و هواك و لا بشهوتك و دنياك فهذا وصف حبيب عن تقلب حبيب و خبر محبوب عن تثبيت محبوب فإذا تيقن العبد يقين عين لا يقين ظن و سمع بما ذكرناه من سرعة فوت الوقت و فوت دركه شغله الغم و الحزن على ما فات عن مثل ما سلف مما ندم عليه في مستقبل الأوقات فلم يضم إلى الفوت الأوّل فوتا ثانيا لحزنه و ندمه عليه فكيف يردفه في الحال بما يشبه ما ندم عليه من سوء الأعمال و ما لا يحمد عاقبته و لا يغتبط به في المال. فمثل العبد المتيقظ في آخر غفلته مثل عبد كان عليه عمل لا بد أن يعمله في يومه ذلك إلا أنه لهي عنه لغفلة ملهية أو نومة منسية فلم يفق لعمله ذلك الذي لا بد منه إلا بعد العصر فلا يسأل عن حرصه و انكماشه و تشهيره و بداره في بقية نهاره ليدرك به ما فاته من أوّل النهار فهو يود أن وقته ذلك إلى الليل مدّ له أضعافه أو ردّ إلى أوّل النهار ليدرك ما فاته فهذا حال التائب المتيقظ من رقدته و هذا لا يستبين له إلا بعد الموت لمعاينة تقضي الأوقات و لليقين بعدم درك ما فات. فهناك وقعت الندامة الكبرى و حينئذ حلت الحسرة العظمى. فالحزم عند العقلاء الموقنين هو الانكماش و التشمير فيما بقي من العمر القصير لأن الاشتغال بما فات في وقت درك مثله في المستقبل هو إضاعة ثانية لما هو آت. فحرص هذا المتيقظ و اجتهاده أن يكون له في كل وقت وقت و من كل ساعة نصيب فأودع في كل خزانة من ساعاته التي هي خزائن أعماله شيئا فشيئا لئلا يرى خزائنه فارغة غدا فيتحسر على فراغه منها و هذا طريق أهل الرجاء الذين تمنوا زيادة الأعمال و رغبوا في طول البقاء بحسن خدمة المولى و هو مقام التائب المستقيم ليتدارك بحديث الأوقات ما فرط منه من الغفلة في القديم، فهذا هو الحزم و الاحتياط عند العلماء فإن يكن الأمر صعبا شديدا كما يحدث عنه كان قد سلم بحسن توفيق الله تعالى من صعوبته و إن كان الأمر سهلا قريبا كما يرجوه كانت الأعمال درجات و الفضائل مقامات.