قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٦٩ - الفصل السادس و العشرون فيه كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة
عزّ و جلّ هاهنا أبلغ في مرضاته و أثوب له في آخرته. و في هذا الحديث دليل أن الخبر إذا ورد في أمر كان على جملة عمومه و كلية ما تعلق به حتى تخص السنة أو الإجماع بعض شأنه و من ذلك أن قول الله عزّ و جلّ: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤]. إن ظاهره مقصور على الاستجابة للرسول للَّه بالإيمان بالطاعة في أوامر القرآن لا الإجابة له في التصويت خاصة في الصلاة و هذا هو الذي حمله أبو سعيد ابن المعلى عليه و تأوله من الآية فأشكل عليه. و مثل هذا فعل عمار في التيمم لما نزلت آية الإباحة للتيمم في صلاة الفجر و هم في سفر. فقال عزّ و جلّ: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ [النساء: ٤٣] و لم يكن يسمع من النبي صلّى الله عليه و سلم في تخصيص بعض اليد شيئا قال: فتيممنا إلى المناكب و استوعب جملة اليد لعموم الخطاب حتى أخبر النبي صلّى الله عليه و سلم بذلك فأمرهم بالتيمم إلى المرفقين. و في خبر: إلى الزندين باختلاف الروايتين فخص بعض اليد فلذلك اختلف العلماء في تبعيض اليد في المسح و كذلك العمل فيما ورد مجملا أن يستعمل في الجملة حتى تخصه السنة. فمن ذلك ما روي أن رجلين على عهد رسول الله صلّى الله عليه و سلم تآخيا في العبادة فاعتزلا الناس فقال أحدهما لصاحبه: هلم اليوم فلننفرد عن الناس و نلزم الصمت فلا نكلم من يكلمنا فإنه أبلغ في عبادتنا. قال: فاعتزلا في خلوة و صمتا فمر بهما رسول الله صلّى الله عليه و سلم فسلم عليهما فلم يردا عليه السلام. قال: فسمعناه يقول حين جاوزنا: هلك المتعمقون المتنطعون فاعتذرا إلى رسول الله صلّى الله عليه و سلم و تابا من ذلك إلى الله عزّ و جلّ. و مثل ذلك ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعس ذات ليلة فنظر إلى مصباح أبيض في خلل باب فاطلع فإذا قوم على شراب لهم فلم يدر كيف يصنع فدخل المسجد فأخرج عبد الرحمن بن عوف فجاء به إلى الباب فنظر و قال له: كيف ترى أن نعمل؟ فقال: أرى و الله أنا قد أتينا ما نهانا الله عنه لأنّا تجسسنا على عورة فاطلعنا عليها و قد سترها الله دوننا و ما كان لنا أن نكشف ستر الله عزّ و جلّ. فقال: ما أراك إلا قد صدقت سبعا ما أنفذ عنك فانصرفنا. و في لفظ آخر أنه قال له: أرى أنّا قد عصينا الله و رسوله و نهانا رسول الله صلّى الله عليه و سلم عن التجسس فقال: صدقت فأخذ بيده و انصرف. و رينا نحو هذا أن عمر رضي الله عنه كان يعس ليلة مع ابن مسعود فاطلع من خلل الباب فإذا شيخ بين زق خمر و قينة تغنيه فتسور عليه و قال: ما أقبح بشيخ مثلك أن يكون على مثل هذه الحال. فقام إليه الرجل فقال: يا أمير المؤمنين أنشدك الله ألا أنصفتني حتى أتكلم فقال له: قل فقال: إن كنت قد عصيت الله عزّ و جلّ في واحدة فقد عصيته أنت في