إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٤٦٢ - و منها قول الشيخ أحمد محيي الدين العجوز
إلحاحهم بالبيعة، و لكن المنصور مع ذلك ما كان ليستريح لالتفاف الناس حول الصادق في كل مكان. في المدينة حيث يقيم و في العراق حيث يلم ليعلم الناس أو ليحاور الزنادقة و الملحدين و أصحاب الآراء الذين يخالفونه في أمور الدين.
نقل الناس إلى الخليفة أن أحد فصحاء الزنادقة و فجارهم قد التقى بالإمام جعفر، فعجز الرجل عن الحوار، فسأله الإمام الصادق: ما يمنعك من الكلام؟ فقال الرجل:
إجلالا لك و مهابة، و ما ينطق لساني بين يديك، فإني شاهدت العلماء و ناظرت المتكلمين فما داخلتني هيبتك.
أخذ المنصور يتربص بالإمام جعفر و عرف أن الإمام يحارب الزهاد، و كانت جماعات الزهاد تحبب إلى الناس الفقر، و تدعوهم إلى العزوف عن الدنيا، و إلى عدم التفكير في شئونهم، و قد شجع حكام بني أمية هذه الجماعات ليصرفوا الناس عن التفكير في المظالم و يصرفوهم عن المقارنة بين غنى الحكام و فقر المحكومين، و شجع بنو العباس هذا الاتجاه إلى الزهد حتى لقد قويت الدعوة إلى الانصراف عن هموم الحياة.
و رأى الإمام جعفر أن هذه الدعوة تزيد الأغنياء غنى و الفقراء فقرا و أنها ليست من اللّه في شيء، فهي تزين للفرد ألا يهتم بمصلحة الأمة، و ألا يحاسب الحكام، و تتيح للحكام أن يعطلوا الشورى و هي أساس الحكم في الإسلام.
و لقد انخدع بعض الصالحين بهذا الاتجاه إلى تمجيد الفقر، فنادوا بتحريم الطيبات من الرزق و زينة الحياة التي أحلها اللّه لعباده، حتى أن
أحد الصالحين من الفقهاء رأى الإمام الصادق في ثوب حسن فأنكر هذا قائلا: هذا ليس من لباسك. فقال له الإمام الصادق: اسمع مني ما أقول لك فإنه خير لك آجلا أو عاجلا ان أنت مت على السنة و الحق و لم تمت على البدعة، أخبرك أن رسول اللّه (ص) كان في زمان مقفر مجدب فأما إذا أقبلت الدنيا فأحق أهلها أبرارها لا فجارها، و مؤمنوها لا منافقوها.
و مضى الإمام الصادق يناقش الزاهدين فالزهد كما يفهمه الإمام الصادق هو