إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٥٥ - مناظرته عليه السلام مع المعتزلة
قال عمرو: سواء.
و بعد محاورة في شأن الجزية و الصدقات أقبل على عمرو و الناس و قال: اتق اللّه يا عمرو، و أنتم أيها الرهط فاتقوا اللّه، فإن أبي حدثني و كان خير أهل الأرض و أعلم بكتاب اللّه و سنة رسول اللّه أن رسول اللّه قال: و من ضرب بسيفه و دعاهم إلى نفسه و في المسلمين من هو أعلم منه فهو ضال متكلف [١].
[١] قال الفاضل المعاصر الشيخ محمد أبو زهرة في «تاريخ المذاهب الإسلامية» ص ٧١٧ ط دار الفكر العربي:
كان الإمام جعفر الصادق يعيش في عصر وجدت فيه آراء منحرفة حول الوحدانية، فمن الناس من كان يتوهم أن للّه تعالى يدا و أن للّه تعالى وجها و يتصور اللّه سبحانه على صورة إنسان، و هؤلاء هم الحشوية، و هم بقية من بقايا الوثنيين. و قد تصدى لهم الإمام جعفر الصادق، فأرشدهم و هداهم. و المعتزلة يعدونه إماما من أئمتهم، و يعتبرون العترة النبوية على مثل آرائهم. و الحق أن آراءهم في التنزيه للّه سبحانه و تعالى متلاقية مع آرائهم في الجملة، و هم قد وصفوا اللّه تعالى بأنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا يشبه أحدا من خلقه، ليس كمثله شيء، و هو السميع البصير، فلا ولد و لا مولود، و لا حلول في جسم إنسان كائنا من كان، و ليس له يد و لا لسان، و لا شيء مما يشبه الإنسان ... و كل نص ورد في القرآن فيه عبارة اليد أو الوجه فهو من المجاز المشهور الذي لا يحتاج إلى تأويل، و لم تجر حوله مناقشة من السلف، فما فهم أحد من السلف أن للّه يدا من قوله تعالىيَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ بل فهموا جميعا من ذلك السلطان، و توثيق العهد، و أنهم إذ عاهدوا النبي صلى اللّه عليه و سلم فقد عاهدوا اللّه سبحانه و تعالى.
و ينسب الشيعة إلى الإمام جعفر رسالة في التوحيد، قد دونها تلميذه المفضل بن عمرو، و قد أخذها عنه في أربعة مجالس. و الرسالة تتجه إلى إثبات وجود اللّه تعالى، و إثبات وحدانيته بأدلة مشتقة من الموجودات: الأحياء و الجماد، و الليل و النهار، و الشمس و القمر، و النجوم و الكواكب. و في كل مجلس من المجالس الأربعة يبتدئ الكلام بأوصاف اللّه تعالى. و لنذكر مثلا بعض المجلس الرابع منها،
فهو يقول في افتتاحه: منا التحميد و التسبيح و التعظيم للاسم الأقدس، و النور الأعظم العلي العلّام ذي الجلال و الإكرام، و منشئ الأنام،