إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٣٥ - استجابة دعائه عليه السلام و استخلاصه به عن شر المنصور العباسي
و هناك من يجعل الشك عنده يقينا بالتزوير و الدس اللئيم. فكان يرسل عليه العيون و الجواسيس، لإرصاد كلماته التي كان يلقيها في حلقة درسه، كما يرصد حركاته و تصرفاته، إلا أن هذه المراقبة الشديدة التي كان المنصور فيها بارعا، بحيث كانت تقع دون أن يشعر الإمام بثقلها، و إن كان يعلم بوجودها، و لكن عند ما تبلغ هذه الشكوك منزلة الظن الغالب على التصديق، التي كان يأتي بها رجال دائرة مباحثه، فإنه يستدعيه بغير تكريم، و هو ذلك الإمام الصابر على فواجع أهل بيته و نكبات بني عمومته.
حين حصل خروج الأخوين الكريمين، همس رجال المباحث في أذن المنصور أن الإمام الصادق يؤيد خروجهما بل هو من ورائهما، و الحقيقة خلاف ذلك فاستدعاه للتحقيق معه، و قد استعمل المنصور في هذا غلظة القول، و سلك سبيل الإساءة في هذا التحقيق، و لم يراع نور الهدى، و طيب الأرومة و وقار الشيخوخة التي بلغت السبعين، و لا حرمة القربى أو صلة الرحم أو مكانة العلم.
و من ذلك مناقشته و تحقيقه حين كان في الكوفة بعد أن بلغ الصادق وصيته لأهله
(قال المنصور: أنت يا جعفر ما تدع حسدك و بغيك و فسادك على أهل البيت من بني العباس، و ما يزيدك اللّه بذلك إلا شدة حسد و نكد، و ما تبلغ به ما تقدره).
فقال الإمام الصادق: و اللّه يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئا من ذلك. هذا و لقد كنت في ولاية بني أمية و أنت تعلم أنهم أعدى الخلق لنا و لكم، و أنهم لا حق لهم في هذا الأمر، فو اللّه ما بغيت عليهم و لا بلغهم عني شيء مع جفائهم الذي كان لي، و كيف أصنع هذا الآن و أنت ابن عمي، و أمس الخلق بي رحما، و أكثر عطاء و برا، فكيف أفعل ذلك.
فأطرق المنصور ساعة .. ثم قال: يا جعفر ما تستحيي مع هذه الشيبة و مع هذا النسب أن تنطق بالباطل و تشق عصى المسلمين؟ تريد أن تريق الدماء و تطرح الفتنة بين الرعية و الأولياء؟
قال الصادق: لا و اللّه يا أمير المؤمنين ما فعلت، و لا هذه كتبي و لا خطي، لا خاتمي- كان المنصور قد أخرج له كتبا إلى أهل خراسان تدعوهم إلى نقض البيعة.
فانتضى من السيف ذراعا فما زال يعاقبه و جعفر يعتذر إليه، ثم اغمد السيف و أطرق ساعة