إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٥٢١ - و منها قول العميد أسود
للإمامة قط و لا نازع أحدا في الخلافة. و من غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط.
و من تعلى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط. و من آنس باللّه استوحش من الناس.
و يقول كثير من الناس: إن جعفرا قد شغل نفسه بالعبادة عن الرياسة و إنه ابتعد عن السياسة و ارتضى لنفسه حياة التعبد و العلم و ترك المطامع، بل و دفع أهله عنها.
و تقول الإمامية: إن الصادق كان إمام عصره و لم يخرج داعيا لنفسه آخذا بمبدإ التقية و ينقلون عنه
أنه قال: التقية ديني و دين آبائي.
و التقية أن يخفى المرء بعض ما يعتقد و لا يجهر به، خشية الأذى أو للتمكن من الوصول إلى ما يريد، و الأصل فيها قوله تعالى:لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ.
لقد عمل الصادق عملا متواصلا في تأسيس المذهب الجعفري و نشره بهمة لا تخمد و ذكاء لا ينطفئ و كان الشيعة في العراق ينادون به إماما و يعتبرون أنفسهم أتباعا له.
و رغم ابتعاده عن المطالبة بالخلافة أو الخروج في سبيلها فإنه لم يكن ليسلم من ظنون الحكام في عصره.
لقد رأى المحن التي نزلت بآل البيت بأم عينه من جراء المطالبة بالخلافة لذلك فهو لم يطالب بها و لم ينازع أحدا في شأنها.
و لما جاءت الدولة العباسية بدت بشائر الرفق و العطف بالعلويين في عهد السفاح العباسي و لكن ما إن خرج محمد بن عبد اللّه الحسنى في المدينة و أخوه إبراهيم بن عبد اللّه الحسنى في العراق على أبي جعفر المنصور حتى اشتدت النقمة على العلويين و أحيطوا بالريب و الظنون مع اضطهاد كبير للبيت العلوي.
رأى الصادق فجيعة الأخوين و موت أبيهما مكلوما في سجن المنصور في الهاشمية فأثر ذلك في نفسه كثيرا و فضل الانصراف إلى العلم بدلا عن السياسة، و
هو