إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٤٦٨ - و منها قول المستشار الجندي
و كان جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين شجرة باسقة تترعرع في كل ورقة من أوراقها خصيصة من خصائص أهل البيت في عصر جديد للعلم، تعاونت فيه أجيال ثلاثة متتابعة منه و من أبيه و جده.
و لما استمسك بإمامته و قنع بمنصبه التعليمي، علا قدره في أعين طلاب السلطة، و أمنوا جانبه و اتخذوا من زهده فيها شهادة لهم ضد من ينازعونهم.
لكنه كان الغرض الذي تنجذب إليه الأنظار: فهو يمثل العقيدة الدينية التي يقاس بفضائلها عمل الحكام في الإسلام، و ما يتبعه من رضى العامة عنهم، أو سخطها عليهم.
و هو بوجه خاص حجر الزاوية من صرح أهل البيت ترنو إليه أبصار الذين يدعون الخلافة بدعوى أنهم من أهل البيت.
و هو مقيم في المدينة العاصمة الأولة و الدائمة للإسلام، يتحلق فيها المتفقهة حول علماء الإسلام في مسجد الرسول، يحملون بأيديهم مصابيح السنة، أو يعلنون شرعية الحكومة أو عدمها، و حسن السيرة أو فسادها، و إقرار أهل العلم أو إنكارهم. و هي أمور أساسية تحرص عليها الدولة العادلة و تتجنب الاتهام بمخالفتها أي دولة.
و إذا كانت دمشق قد أدارت ظهرها لمدينة الرسول أو كانت بغداد قد فتحت أبوابها على العالم و أوصدتها دون أهل المدينة، فالمسلمون يأتون إلى مدينة الرسول كل عام، خفافا و على كل ضامر، إذ يحجون إلى البيت العتيق بمكة، و يزورون قبر الرسول و يشهدون آثاره في المدينة.
و إذا كان الخليفة المنصور يقول عن نفسه: إنما أنا سلطان اللّه في الأرض فهو يحس وطأة سلطان الدين و العلم في المدينة، حيث إمام المسلمين غير منازع جعفر بن محمد الذي يصفه الناس- و أبو جعفر المنصور في طليعتهم- بالصادق.
و من أوصافه كذلك: الطاهر و الفاضل و الصابر.