إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٦٧ - مكالمته مع عنوان البصري و موعظته له
مليّا ثم رفع رأسه و قال: أبو من؟ قلت: أبو عبد اللّه. قال: ثبت اللّه كنيتك و وفقك يا أبا عبد اللّه. ما مسألتك؟ فقلت في نفسي: لو لم يكن لي في زيارته و التسليم عليه غير هذا الدعاء لكان كثيرا. و قبل أن أجيبه رفع رأسه و قال: ما مسألتك؟ قلت: سألت اللّه أن يعطف عليّ قلبك و يرزقني من علمك، و أرجو أن يكون اللّه تعالى أجابني في الشريف ما سألته.
فقال: يا أبا عبد اللّه ليس العلم بالتعلم، و إنما هو نور يقع في قلب من يريد اللّه تعالى أن يهديه. فإن أردت العلم فاطلب في نفسك أولا حقيقة العبودية. و اطلب العلم باستعماله و استفهم اللّه يفهمك.
قلت: يا شريف. قال: قل: يا أبا عبد اللّه. قلت: يا أبا عبد اللّه، ما حقيقة العبودية؟
قال: ثلاثة أشياء: أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوّله اللّه ملكا، لأن العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال اللّه، يضعونه حيث أمرهم اللّه تعالى به و لا يدبر العبد لنفسه تدبيرا و يجعل اشتغاله فيما أمره اللّه تعالى به و نهاه عنه. فإذا لم ير العبد لنفسه فيما خوّله اللّه ملكا هان عليه الإنفاق فيما أمره اللّه أن ينفق فيه، و إذا فوّض العبد تدبير نفسه إلى مدبره هانت عليه مصائب الدنيا، و إذا اشتغل العبد بما أمره اللّه و نهاه لا يتفرغ منهما إلى المراء و المباهاة مع الناس. فإذا أكرم اللّه العبد بهذه الثلاثة هانت عليه الدنيا و إبليس و الخلق. لا يطلب الدنيا تكاثرا و تفاخرا، و لا يطلب ما عند الناس عزا و علوا، و لا يدع أيامه باطلا.
فهذا أول درجة التقى، قال اللّه تعالىتِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
قلت: يا أبا عبد اللّه أوصني. قال: أوصيك بتسعة أشياء، فإنها وصيتي لمريدي الطريق إلى اللّه تعالى، اسأله أن يوفقك لاستعمالها: ثلاثة منها في رياضة النفس، و ثلاثة منها في الحلم، و ثلاثة منها في العلم، فاحفظها و إياك و التهاون بها.
قال عنوان: ففرغت قلبي له. فقال: أما اللواتي في الرياضة: فإياك أن تأكل ما