إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٦٦ - مكالمته مع عنوان البصري و موعظته له
فمنهم الفاضل المعاصر محمد عبد اللّه الخطيب في «مفاهيم تربوية» (ج ٢ ص ١٨٣ ط ٢ دار المنار الحديثة، مصر) قال: ذهب الإمام جعفر إلى مدينة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و ما إن سمع الناس بمجيئه حتى هرعوا إليه ابتغاء التعلم و الاقتداء. و كان فيمن ذهب إليه رجل مسنّ اسمه عنوان، من أولئك الرجال الذين يحيون لطلب المعرفة و مرضاة اللّه جل شأنه، و كان شيخا قد بلغ الرابعة و التسعين من عمره.
فنسمع إلى عنوان يقص علينا نبأه مع جعفر الصادق، قال: كنت أختلف إلى مالك ابن أنس سنين.
فلما قدم جعفر بن محمد الصادق، رضي اللّه عنهما، اختلفت إليه و أحببت أن آخذ عنه كما أخذت عن مالك. فقال لي يوما: إني رجل مطلوب، و مع ذلك لي أوراد آناء الليل و أطراف النهار، فلا تشغلني عن وردي، و خذ عن مالك و اختلف إليه كما كنت تختلف.
فاغتممت من ذلك و خرجت من عنده و قلت لنفسي: لو تفرس في خيرا ما زجرني عن الإختلاف إليه و الأخذ عنه.
فدخلت مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و سلمت عليه. ثم رجعت من الغد إلى الروضة و صليت فيها ركعتين، و قلت: أسأل يا اللّه يا اللّه أن تعطف علي قلب جعفر و ترزقني من علمه ما أهتدي به إلى صراطك المستقيم. و رجعت إلى داري مغتمّا و لم أختلف إلى مالك بن أنس لما أشرب قلبي من حب جعفر. فما خرجت من داري إلا للصلاة المكتوبة حتى عيل صبري. فلما ضاق صدري تنعّلت و تردّيت و قصدت جعفرا، و كان بعد ما صليت العصر. فلما حضرت بباب داره استأذنت عليه، فخرج خادم له، فقال: ما حاجتك؟ فقلت: السلام على الشريف. فقال: هو قائم في مصلاه، فجلست بحذائه أنتظر. فما لبث إلا يسيرا حتى خرج فقال: أدخل على بركة اللّه، فدخلت و سلمت عليه، فرد عليّ السلام و قال: اجلس، غفر اللّه لك. فجلست، فأطرق