فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٥٣ - حقيقة التواتر بين مبنى المشهور ونظرية الشهيد الصدر(قدس سره) الشيخ حامد الظاهري
التفسير الثاني :
أن يراد بقيد ( عادةً ) الإشارة الى أنّ المعتبر في إيجاب التواتر لليقين ، أو قل : في التلازم بين التواتر وصدق القضيّة المتواترة وجود الظروف الذهنية العاديّة ، أي : المألوفة التي يتّصف معها الذهن بالنوعيّ من حالة الاستقامة والاتّزان في التفكير والاستنتاج ، وليس حالات الذهن الخاص المبتلى بالشذوذ والوسوسة الموجبة للتوقّف حتّى في البديهيّات ، فإنّ الملازمة لا تصدق في هكذا ظروف ذهنية متطرّفة أومتسارعة في الحكم والتصديق ، فالفرد العاديّ في ذهنه واتزانه الفكريّ لو حصل له نقل عدد كثير من الرواة لحصل له القطع بوقوع المخبر به من نفس الكثرة العدديّة ، فيكون لإخبار هذا العدد ملازمة عادةً ونوعاً مع وقوع المخبر به ، وهو ما قد يعبّر عنه بالملازمة العاديّة .
وفي جواب ذلك نقول : إنّ البحثَ في أصل إيجاب التواتر للعلم بالقضية المتواترة بحثٌ في ذات الملازمة العقليّة بين مفردات التواتر كقضايا وصغريات حسيّة جزئيّة وحقانيّة القضيّة المتواترة كنتيجة ، أي : في أصل حكم العقل بهذه الملازمة . وأمّا البحث في الظروف الذهنيّة التي يراد لها أن تكون ظرفاً لهذه الملازمة ، فهي شيء آخر يشكّل شرطاً من شروط هذه الملازمة ، فلا ينبغي الخلط بينهما .
فأصل الملازمة هذه ـ أو قل : أصل إيجاب التواتر لليقين بالقضية المتواترة ـ عند المناطقة مسألة ضروريّة ، وقد عدّت القضية المتواترة في كتاب البرهان واحدة من الضروريات الستّ التي ينتهي اليها كلّ قضايا البرهان ، وقد نقلنا قول الشريف الجرجانيّ آنفاً : « إلا أنّ العلم بهذا القياس [ ويعني به القياس الخفيّ الذي على أساسه يحصل اليقين بالقضية المتواترة ] حاصل بالضرورة ، ولذا يفيد المتواتر العلم للبُله والصبيان » ، ولا علاقة للبحث في أصل هذه الملازمة كبروياً بالاُمور التي تشكّل ظرفاً لهذه الملازمة ، فلا يصحّ أخذها قيداً في التعريف ؛ لأنّها خارجة عن ماهية المعرَّف .