رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥
الدور.
ومن سبر غور هذه الآيات وتدبّر فيها يقف على عظمة قوله سبحانه: (سَنُريِهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلّ شَيء شَهِيد)[١].
فإذا كان التفكير هو جوهر الإسلام وأساسه وعليه أُقيم صَرْح الدين، فمع الأسف الشديد انّ جماعة من المسلمين عطّلوا العقول عن التفكير في المعارف بذريعة انّ كلّ ما وصف اللّه به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه.[٢]
أقول: كيف يكون تفسير ما وصف اللّه به نفسه، بتلاوته والسكوت عليه، مع أنّ القرآن نزل للتدبّر في آياته من دون فرق بين آية وأُخرى، يقول سبحانه: (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياِتِه وليتذَكَّرَ أُولوا الأَلباب)[٣].
والعجب انّ بعض هؤلاء راح يتفلسف في إثبات نظريته، ويقول: «إنّما أُعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبية، فمن شغل ما أُعطي لإقامة العبودية بإدراك الربوبية، فاتته العبودية ولم يدرك الربوبية».
وقائل هذا الكلام يفسِّر العبودية بالقيام والقعود والإمساك والصيام التي هي من واجبات الأعضاء، ولكنّنا نقول: إنّ العبودية تقوم على ركنين: ركن منه يرجع إلى فرائض الأعضاء وواجباتها، وركن آخر يرجع إلى العقل واللب، فتعطيل العقول عن معرفة المعبود بالمقدار الذي يستطيع الإنسان الوصول إليها، تعطيل لإقامة العبودية أو لجزئها، ولو اقتصر الإنسان في إقامة العبودية بالقيام والقعود
[١]فُصّلت: ٥٣.
[٢]الرسائل الكبرى، لابن تيمية:١/٣٢، نقله عن سفيان بن عيينة.
[٣]ص : ٢٩.