في رحاب العقيدة - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٩٤ - حفظ الشيعة لتراث أئمتهم
حفظ الشيعة لتراث أئمتهم (عليهم السلام) يشهد باختصاصهم بهم
وإذا كابر المكابر مع كل ذلك، فأنكر اختصاص الشيعة بأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وتفاعلهم معهم، وكذب أحاديثهم عنهم، فماذا يقول عن الكمّ الهائل من الأدعية [١]، والزيارات [٢] ـ على اختلاف مضامينها ومناسباتها الكثيرة ـ والحكم، والمواعظ، والخطب، ونحوها مما يفيض بالعلم الإلهي؟. تلك الكنوز التي اختص بها الشيعة، وتميزوا بها عن غيرهم. وقد امتازت بلسانها الرفيع، وبيانها الفريد، ومضامينها الشريفة العالية.
فإن المنصف يرى أن الأئمة (عليهم السلام) لم يمكنوهم منه، ويخصوهم به، إلا لاستجابتهم لهم (عليهم السلام) ورضاهم (عليهم السلام) عنهم، وانسجامهم معهم.
ولماذا لم يتلقفها جمهور السنة ويتناقلوها ويرعوها ويحفظوه؟ [٣]، مع أنهم قد أخذوا من أصناف الناس على اختلاف ميولهم ونزعاتهم، ومن
[١] كأدعية كميل، والصباح، والعشرات، المروية عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، ودعاء الحسين يوم عرفة، وأدعية الصحيفة السجادية، ودعاء الافتتاح، ودعاء أبي حمزة الثمالي الذي يقرأ في شهر رمضان، وبقية أدعية شهر رمضان في لياليه وأسحاره ونهاره، وأدعية شهري رجب وشعبان، وأدعية ليالي الجمع، وغيرها مما لا يحصى كثرة، ذات المضامين العالية في تمجيد الله تعالى وتقديسه والثناء عليه، والبخوع له والتضاؤل أمامه، والتذلل بين يديه، والرهبة منه، والرجاء له، والرغبة إليه، واستعطافه واسترحامه، والابتهال إليه والطلب منه، وغير ذلك مما لا يحصى من فنون الدعوات.
[٢]كزيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) المعروفة بزيارة (أمين الله)، وبقية زياراته في مختلف المناسبات، وزيارة وارث، وليلة النصف من شعبان للحسين (عليه السلام)، وبقية زياراته (عليه السلام) في مختلف المناسبات، والزيارة الجامعة الكبيرة لجميع الأئمة (عليهم السلام)، وبقية زيارات المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين)، ذات المضامين العالية الجليلة.
[٣]يقول المرجع الديني المعاصر السيد شهاب الدين المرعشيP في استدراكه
على مقدمة الصحيفة السجادية المطبوعة في حدود سنة ١٣٦١ هـ: "وإني في سنة ١٣٥٣هـ بعثت نسخة من الصحيفة الشريفة إلى العلامة المعاصر الشيخ جوهري طنطاوي صاحب التفسير المعروف، مفتي الإسكندرية، ليطالعه، فكتب إلي من القاهرة وصول الصحيفة، وشكر لي هذه الهدية السنية، وأطرى في مدحها والثناء عليه، إلى أن قال: ومن الشقاء أنا إلى الآن لم نقف على هذا الأثر القيم الخالد، من مواريث النبوة وأهل البيت. وإني كلما تأملتها رأيتها فوق كلام المخلوق، ودون كلام الخالق إلى آخر ما قال.
ثم سأل عني (كذا في المصدر): هل شرحها أحد من علماء الإسلام؟ فكتبت إليه أسامي من شرحه ممن كنت أعلم به. وقدمت لسماحته رياض السالكين للسيد علي خان. وكتب في جواب وصوله: إني مصمم ومشمر الذيل على أن أكتب شرحاً على هذه الصحيفة العزيزة. انتهى".
فإذا كان الشيخ جوهري طنطاوي، مع موسوعيته، وكثرة اطلاعه، لم يطلع على الصحيفة السجادية مع اشتهارها وشيوع انتشارها بين الشيعة ـ على اختلاف مذاهبهم ـ فكيف بغيره ممن هو أقل منه اطلاع، وأضيق أفق؟! وكيف يكون الحال مع غير الصحيفة السجادية مما هو دونها ظهوراً وانتشار؟!