في رحاب العقيدة - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٤٧ - حديث ابن أبي الحديد حول المنافقين ونشاطهم بعد النبي
حديث ابن أبي الحديد حول المنافقين ونشاطهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
قال ابن أبي الحديد تعقيباً على الكلام المذكور: "واعلم أن هذا التقسيم صحيح. وقد كان في أيام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) منافقون، وبقوا بعده. وليس يمكن أن يقال: إن النفاق مات بموته. والسبب في استتار حالهم بعده أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان لا يزال يذكرهم بما ينزل عليه من القرآن، فإنه مشحون بذكرهم... فلما انقطع الوحي بموته (صلى الله عليه وآله وسلم)، لم يبق من ينعى عليهم سقطاتهم، ويوبخهم على أعمالهم، ويأمر بالحذر منهم، ويجاهرهم تارة، ويجاملهم تارة. وصار المتولي للأمر بعده يحمل الناس كلهم على كاهل المجاملة، ويعاملهم بالظاهر. وهو الواجب في حكم الشرع والسياسة الدنيوية... ولسكوت الخلفاء عنهم بعده خمل ذكرهم. فكان قصارى أمر المنافق أن يسر ما في قلبه، ويعامل المسلمين بظاهره [١]. ويعاملونه بحسب
[١] كأن ابن أبي الحديد يجهل أو يتجاهل مثل قول حذيفة المتقدم في جواب السؤال الثاني من الأسئلة السابقة: "إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كانوا يومئذٍ يسِرون، واليوم يجهرون"، وقوله الآخر: "إنما كان النفاق على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان". وكذا قوله: "إنكم اليوم معشر العرب لتأتون أموراً إنها لفي عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) النفاق على وجهه" / مسند أحمد ٥: ٣٩١ حديث حذيفة بن اليمان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، واللفظ له. مجمع الزوائد ١٠: ٦٤ كتاب المناقب: باب ما جاء في الكوفة.
وقوله الآخر: "إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيصير منافقاً وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات..." / مسند أحمد ٥: ٣٩٠ حديث حذيفة اليمان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، واللفظ له. المصنف لابن أبي شيبة ٧: ٤٦٠ كتاب الفتن: من كره الخروج في الفتنة وتعوذ عنه. تفسير ابن كثير ٢: ٣٠٠. الزهد لابن حنبل: ٤٣. حلية الأولياء ١: ٢٧٩ في ترجمة حذيفة بن اليمان.
كما غفل أو تغافل عن مغزى كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) المتقدم، فإن سؤال السائل عن أحاديث البدع، واختلاف الأخبار، يعرب عن شيوع تلك الأحاديث
في عصر أمير المؤمنين (عليه السلام)، بحيث تناقلها الناس وظهرت، واختلط الباطل بالحق فلم يتميز، حتى حير السائل ودعاه للسؤال. وجواب أمير المؤمنين (عليه السلام) يناسب تعاون المنافقين مع من سبقه من الحكام على علم منهم بحالهم، وتنسيق منهم معهم، من دون أن يخفوا حالهم عنهم. أما الأحاديث التي انتشرت أيام معاوية، وبجهوده التي يأتي التعرض له، فهي متأخرة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ولم تنتشر في عهده، فلا يحوم السؤال حوله.
ويناسب ما ذكرنا قول أمير المؤمنين (عليه السلام) : "أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دونن، كذباً وبغياً علين، أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطى الهدى، ويستجلى العمى" / نهج البلاغة ٢: ٢٧.
وقد عقب ابن أبي الحديد نفسه على ذلك فقال: "قوله (عليه السلام) : أين الذين زعمو.... هذا الكلام كناية وإشارة إلى قوم من الصحابة كانوا ينازعونه الفضل، فمنهم من كان يدعى له أنه أفرض، ومنهم من كان يدعى له أنه أقر، ومنهم من كان يدعى له أنه أعلم بالحلال والحرام. هذا مع تسليم هؤلاء له أنه (عليه السلام) أقضى الأمة، وإن القضاء يحتاج إلى كل هذه الفضائل، وكل واحدة منها لا تحتاج إلى غيره، فهو إذاً أجمع للفقه وأكثرهم احتواء عليه. إلا أنه (عليه السلام) لم يرض بذلك، ولم يصدق الخبر الذي قيل: أفرضكم فلان إلى آخره. فقال: إنه كذب وافتراء، حمل قوم على وضعه الحسد، والبغي، والمنافسة لهذا الحي من بني هاشم أن رفعهم الله على غيرهم، واختصهم دون من سواهم"/ شرح نهج البلاغة ٩: ٨٦.