العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ٩٩ - و أمّا السلام و التحيّة
و أمّا السلام و التحيّة
فقوله تعالى: وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [١٥/ مريم: ١٩]، قيل: معناه: سلامة له من لكزة الشيطان يوم ولادته [١] و من وسوسته يوم خروجه من الدنيا، كما ذكرناه فيما قبل، فيكون السلام بمعنى السلامة كالمقام و المقامة، و الرضاع و الرضاعة، و يكون على بمعنى اللام من باب تعاقب حروف الصفات، بعضها بعضا.
و قيل: معناه: سلام من اللّه تعالى و تحيّته عليه في جميع أحواله مولودا كان أو ميّتا، مقتولا شهيدا أو حيّا مبعوثا في القيامة.
و هذا الوجه أولى لأنّه لا يحتاج إلى الإبدال و التعاقب، مع استقامة/ ٥٤٢/ المعنى و النظم.
ثمّ إنّ الآية تدلّ على أنّ القتل هو الموت؛ ردّا على من يزعم أنّ المقتول لو لم يقتل لعاش، فجعل اللّه سبحانه قتل يحيى (عليه السّلام) موتا [٢] و قد قال [تعالى]: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ [٣٤/ الأعراف: ٧، و ٤٩/ يونس: ١٠].
[١] اللكزة- على زنة الضربة-: الضربة بجمع الكفّ، أي مجموع الأصابع.
[٢] لا دلالة في الآية الكريمة و تاليتها لما ادّعاه العاصمي لأنّ النسبة بين الموت و القتل العموم و الخصوص المطلق؛ و الموت أعمّ من القتل؛ إذ الموت هو خروج الروح من جسد الحيّ سواء كان الخروج من جهة نفاد استعداد الحيّ للبقاء و الحيات؛ أو من جهة إعدام الاستدعاء التي يتضمّنها جسد الحيّ بفعل فاعل مختار؛ سواء بالحقّ؛ كقتل القاضي من يستحقّ القتل؛ أو بالباطل كالقتل الذي يصدر ممن لا يحقّ له إفناء حيّ و إزهاق روحه.
و الآية التالية أيضا لا تدلّ على ما ادّعاه العاصمي لأنّ مجيء الأجل تارة يكون بنفاد استعداد الحيّ للبقاء؛ و تارة يكون بإبطال استعداد الثابت في جسد الحيّ فإذا أبطل الاستعداد المذكور و أعدم بفعل فاعل مختار يتنجّز أجل الحيّ و ينقضي أوان الحياة.