العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ٣١٠ - أمّا تشبيه الأبوين في الحكم و التسوية
هو يلبّي تمثّل له الشيطان في صورة شيخ يلبّي معه؛ فقال عمرو: (لبّيك لا شريك لك) فقال الشيخ: (إلّا شريكا هو لك) فأنكر ذلك عمرو و قال: و ما هذا؟ فقال الشيخ: قل تملكه و ما ملك؟ فإنّه لا بأس بهذا. فقالها عمرو و دانت بها العرب!! انتهى كلام السهيلي.
و قال الحافظ عماد الدين ابن كثير في تاريخه:
كانت العرب على دين إبراهيم إلى أن وليّ عمرو بن عامر الخزاعي مكّة و انتزع ولاية البيت من أجداد النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فأحدث عمرو المذكور عبادة الأصنام؛ و شرّع للعرب الضلالات من السوائب و غيرها؛ و زاد في التلبية بعد قوله: «لبّيك لا شريك لك» قوله: (إلّا شريكا هو لك؛ تملكه و ما ملك).
فهو أوّل من قال ذلك؛ و تبعته العرب على الشرك؛ فشابهوا بذلك قوم نوح و سائر الأمم المتقدّمة؛ و فيهم على ذلك بقايا من دين إبراهيم.
و كانت مدة ولاية خزاعة على البيت ثلاث مائة سنة؛ و كانت ولايتهم مشؤمة إلى أن جاء قصيّ جدّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فقاتلهم و استعان على حربهم بالعرب؛ و انتزع ولاية البيت منهم إلّا أنّ العرب بعد ذلك لم ترجع عمّا كان أحدثه لها عمرو الخزاعي من عبادة الأصنام و غير ذلك؛ لأنّهم رأوا ذلك دينا في نفسه لا ينبغي أن يغيّر انتهى.
فثبت أنّ آباء النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) من عهد إبراهيم إلى زمان عمرو [المذكور] كلهم مؤمنون بيقين؛ و نأخذ في الكلام على الباقي و على زيادة توضيح لهذا القدر.
الأمر الثاني: ممّا ينتصر به لهذا المسلك آيات و آثار وردت في ذرّية إبراهيم و عقبه:
الآية الأولى و هي أصرحها قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ: إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ؛ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ؛ وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ [٢٨/ الزخرف: ٤٣] أخرج عبد بن حميد في تفسيره بسنده عن ابن عبّاس في قوله [تعالى]: وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ قال: [جعل كلمة] لا إله إلّا اللّه باقية في عقب إبراهيم.
و أخرج عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر عن مجاهد في قوله: وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً قال: [هي كلمة] لا إله إلّا اللّه.