العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ٣٠١ - أمّا تشبيه الأبوين في الحكم و التسوية
قيل: إنّ آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمّه؛ و احتجّوا عليه بوجوه:
منها أنّ آباء الأنبياء ما كانوا كفّارا؛ و يدلّ عليه وجوه: منها قوله تعالى [في الآية: (٢١٩) من سورة الشعرا؛] الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ؛ وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ قيل: معناه:
انّه كان ينقل نوره من ساجد إلى ساجد؛ و بهذا التقدير فالآية دالّة على أنّ جميع آباء محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) كانوا مسلمين [للّه تعالى] و حينئذ يحب القطع بأنّ والد إبراهيم ما كان من الكافرين إنّما ذاك عمّه؛ أقصى ما في الباب أن يحمل قوله تعالى: وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ على وجوه أخرى و إذا وردت الروايات بالكلّ و لا منافات بينها وجب حمل الآية على الكلّ؛ و متى صحّ ذلك؛ ثبت أنّ والد إبراهيم ما كان من عبدة الأوثان.
ثمّ قال [فخر الدين الرازي]:
و ممّا يدلّ على أنّ آباء محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ما كانوا مشركين؛ قوله (عليه السّلام): «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» و [قد] قال تعالى [في الآية: (٢٨) من سورة التوبة]: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركا.
[قال السيوطيّ:] هذا كلام الإمام فخر الدين الرازي بحروفه؛- و ناهيك به إمامة و جلالة؛ فإنّه إمام أهل السنّة في زمانه و القائم بالردّ على فرق المبتدعة في وقته و الناصر لمذهب الأشاعرة في عصره- و هو العالم المبعوث على رأس المائة السادسة ليجدّد على هذه الأمّة أمر دينها!!
[ثمّ قال السيوطي:] و عندي في نصرة هذا المسلك و ما ذهب إليه الإمام فخر الدين أمور:
أحدها دليل استنبطه مركّب من مقدّمتين:
الأولى: إنّ الأحاديث الصحيحة دلّت على أنّ كلّ أصل من أصول النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من آدم إلى أبيه عبد اللّه فهو من خير أهل قرنه و أفضلهم.
و الثانية: إنّ الاحاديث و الآثار دلّت على أنّه لم تخل الأرض- من عهد نوح أو آدم؟ إلى بعثة النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ثمّ إلى أن تقوم الساعة- من ناس على الفطرة يعبدون اللّه و يوحّدونه و يصلّون له؛ و بهم تحفظ الأرض؛ و لولاهم لهلكت الأرض و من عليها.