العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ٢٩٥ - أمّا تشبيه الأبوين في الحكم و التسوية
عليه قبل مجيء الرسول انتهى.
و قال الرافعيّ في الشرح: من لم تبلغه الدعوة لا يجوز قتله قبل الإعلام و الدعاء إلى الإسلام؛ و لو قتل كان مضمونا؛ خلافا لأبي حنيفة؛ و بنى الخلاف على أنّه محجوج عليه بالعقل عنده؟ و عندنا [أنّ] من لم تبلغه الدعوة لا تثبت عليه الحجّة و لا تتوجّه [إليه] المؤاخذة قال تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا انتهى.
و قال الغزالي في البسيط: من لم تبلغه الدعوة يضمن بالدية و الكفّارة لا بالقصاص على الصحيح؛ لأنّه ليس مسلما على التحقيق و إنّما هو في معنى المسلم.
و قال ابن الرفعة في الكفاية: لأنّه مولود على الفطرة و لم يظهر منه عناد.
و قال النووي في شرح مسلم في مسألة أطفال المشركين: المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحقّقون أنّهم في الجنّة؛ لقوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا قال: و إذا كان لا يعذّب البالغ لكونه لم تبلغه الدعوة فغيره أولى انتهى.
[ثمّ قال السيوطيّ:] فإن قلت: هذا المسلك الذي قرّرته هل هو عامّ في أهل الجاهليّة كلّهم؟ قلت: لا بل هو خاصّ بمن لم تبلغه دعوة نبيّ أصلا؛ أمّا من بلغته منهم دعوة أحد من الأنبياء السابقين ثمّ أصرّ على كفره فهو في النار قطعا؛ و هذا لا نزاع فيه.
و أمّا الأبوان الشريفان [للنبيّ صلى اللّه عليهم أجمعين] فالظاهر من حالهما ما ذهبت إليه هذه الطائفة من عدم بلوغهما دعوة أحد؛ و ذلك لمجموع أمور: [منها] تأخّر زمانهما و بعد ما بينهما و بين الأنبياء السابقين؛ فإنّ آخر الأنبياء قبل بعثة نبيّنا (صلى اللّه عليه و سلم) عيسى (عليه السّلام)؛ و كانت الفترة بينه و بين بعثة نبيّنا نحو ستّ مائة سنة.
ثمّ إنّهما كانا في زمن جاهليّة؛ و قد طبّق الجهل الأرض شرقا و غربا؛ و فقد من يعرف الشرائع و يبلّغ الدعوة على وجهها إلّا نفرا يسيرا من أحبار أهل الكتاب؛ مفرّقين في أقطار الأرض كالشام و غيرها؛ و لم يعهد لهما تقلّب في الأسفار سوى المدينة؛ و لا عمّرا عمرا طويلا بحيث يقع لهما فيه التنقيب و التفتيش؛ فإنّ والد النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لم يعش من العمر