العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ٢٩٤ - أمّا تشبيه الأبوين في الحكم و التسوية
حكم العقل الذي أنكره الكيا و أهل نزعته].
[قال الكيا:] و عند هذا يسأل المستطرقون فيقولون: ما الواجب الذي هو طاعة و ليس بقربة؟ و جوابه أنّ النظر الذي هو أوّل الواجبات طاعة و ليس بقربة؛ لأنّه ينظر [الناظر] للمعرفة و ليس بقربة؛ فهو مطيع و ليس بمتقرّب لأنّه إنّما يتقرّب إلى من يعرفه
[ثمّ] قال [الكيا الهراسي]: و قد ذكر شيخنا الإمام في هذا المقام شيئا حسنا فقال: قبل مجيء الرسول تتعارض الخواطر و الطرق؛ إذ ما من خاطر يعرض له إلّا و يمكن أن يقدر أن يخطر خاطر آخر على نقيضه فتتعارض الخواطر و يقع العقل في حيرة و دهشة؛ فيجب التوقّف إلى أن تنكشف الغمّة؛ و ليس ذلك إلّا بمجيء الرسول؛ و هاهنا قال الأستاذ أبو إسحاق: «إنّ قول:
(لا أدري نصف العلم) معناه أنّه انتهى علمي إلى حدّ وقف عند مجازه العقل؛ و هذا إنّما يقوله من دقّق في العلم و عرف مجاري العقل ممّا لا يجري فيه و يقف عنده» انتهى.
و قال الإمام فخر الدين الرازي في [كتاب] المحصول: شكر المنعم لا يجب عقلا؛ خلافا للمعتزلة؛ لنا أنّه لو تحقّق الوجوب قبل البعثة لعذّب تاركه فلا وجوب؛ أمّا الملازمة فبيّنة؛ و أمّا أنّه لا تعذيب فلقوله سبحانه: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [١٥/ الإسراء:
١٧] نفى [اللّه تعالى] التعذيب إلى غاية البعثة؛ فينتفي و إلّا وقع الخلف في قول اللّه؛ و هو محال انتهى.
و ذكر أتباعه مثل ذلك كصاحب الحاصل و التحصيل و البيضاوي في منهاجه.
و قال القاضي تاج الدين السبكي في شرح مختصر ابن الحاجب: على مسألة شكر المنعم تتخرج مسألة من لم تبلغه الدعوة؛ فعندنا [أنّه] يموت ناجيا و لا يقاتل حتّى يدعى إلى الإسلام؛ و هو مضمون بالكفّارة و الدية؛ و لا يجب القصاص على قاتله على الصحيح.
و قال البغوي في التهذيب: أمّا من لم تبلغه الدعوة فلا يجوز قتله قبل أن يدعى إلى الإسلام؛ فإن قتل قبل أن يدعى إلى الإسلام وجب في قتله الدية و الكفّارة؛ و عند أبي حنيفة لا يجب الضمان بقتله.
و أصله أنّه عندهم محجوج عليه بعقله؛ و عندنا هو غير محجوج عليه [بعقله] قبل بلوغ الدعوة إليه؛ لقوله [تعالى]: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا فثبت أنّه لا حجّة