العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ٣٣٥ - أمّا تشبيه الأبوين في الحكم و التسوية
أذى أعظم من أن يقال عن أبيه: أنّه في النار؟!
و من العلماء من ذهب إلى قول خامس و هو الوقف؛ قال الشيخ تاج الدين الفاكهاني في كتابه الفجر المنير: اللّه أعلم بحال أبويه.
و قال الباجي في شرح الموطّأ: قال بعض العلماء: إنّه لا يجوز أن يؤذى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بفعل مباح و لا غيره؛ و أمّا غيره من الناس فيجوز أن يؤذى بمباح؛ و ليس لنا المنع منه؛ و لا يأثم فاعل المباح و إن وصل بذلك أذى إلى غيره؛ قال: و لذلك قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم)- إذ أراد عليّ بن أبي طالب أن يتزوّج ابنة أبي جهل-: «إنّما فاطمة بضعة منّي و إنّي لا أحرّم ما أحلّ اللّه؛ و لكن و اللّه لا تجتمع ابنة رسول اللّه و ابنة عدوّ اللّه عند رجل أبدا»
فجعل حكمهما في ذلك أنّه لا يجوز أن يؤذى بمباح؛ و احتجّ على ذلك بقوله تعالى: «...»
الآيتين؛ فشرط على المؤمنين أن [لا] يؤذوا بغير ما اكتسبوا؛ و أطلق الأذى في خاصّة النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) من غير شرط انتهى.
و أخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق يحيى بن عبد الملك بن أبي غنيّة قال: حدّثنا نوفل بن الفرات- و كان عاملا لعمر بن عبد العزيز- قال: كان رجل من كتّاب الشام مأمونا عندهم استعمل رجلا على كورة من كور الشام؛ و كان أبوه يزن بالمنانية [قيل: يعنى بالمجوسيّة؟] فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز فقال [له]: ما حملك على أن تستعمل رجلا على كورة المسلمين [و] كان أبوه يزن بالمنانيّة؟ قال: أصلح اللّه أمير المؤمنين و ما عليّ؟ كان أبو النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) مشركا!! فقال عمر: آه ثمّ سكت ثمّ رفع رأسه فقال: أ أقطع لسانه؟ أ أقطع يده و رجله؛ أ أضرب عنقه؟ ثمّ قال: لا تلي لي شيئا ما بقيت!
[ثمّ قال السيوطى:] و قد سئلت أن أنظم في هذه المسألة أبياتا أختم بها هذا التأليف فقلت:
إنّ الذي بعث النبيّ محمّدا* * * أنجى به الثقلين ممّا يجحف
و لأمّه و أبيه حكم شائع* * * أبداه أهل العلم فيما صنّفوا
فجماعة أجروهما مجرى الذي* * * لم يأته خبر الدعاة المسعف