العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ٣٢٧ - أمّا تشبيه الأبوين في الحكم و التسوية
فهذه الزيادة أوضحت بلا شكّ أنّ هذا اللفظ العام هو الذي صدر منه (صلى اللّه عليه و سلم) و رآه الأعرابيّ بعد إسلامه أمرا مقتضيا للامتثال فلم يسعه إلّا امتثاله.
و لو كان الجواب باللفظ الأوّل لم يكن فيه أمر بشيء البتّة؛ فعلم من هذا أنّ اللفظ الأوّل من تصرّف الراوي رواه بالمعنى على حسب فهمه.
و قد وقع في الصحيحين روايات كثيرة من هذا النمط فيها لفظ تصرّف فيه الراوي؛ و غيره أثبت منه؛ كحديث مسلم عن أنس في نفي قراءة البسملة؛ و قد أعلّه الإمام الشافعي رضي اللّه عنه بذلك؛ و قال: إنّ الثابت من طريق آخر نفي سماعها ففهم منه الراوي نفي قراءتها فرواه بالمعنى على ما فهمه فأخطأ.
و نحن أجبنا عن حديث مسلم في هذا المقام بنظير ما أجاب به إمامنا الشافعي رضي اللّه عنه؛ عن حديث مسلم في نفي قراءة البسملة.
ثمّ لو فرض اتّفاق الرواة على اللفظ الأوّل كان معارضا بما تقدّم من الأدلّة؛ و الحديث الصحيح إذا عارضه أدلّة أخرى هي أرجح منه وجب تأويله و تقديم تلك الأدلّة عليه؛ كما هو مقرّر في الأصول.
و بهذا الجواب الأخير يجاب عن حديث عدم الإذن في الاستغفار لأمّه؛ على إنّه يمكن فيه دعوى عدم الملازمة؛ بدليل أنّه كان في صدر الإسلام ممنوعا من الصلاة على من عليه دين و هو مسلم؟ فلعلّه كانت عليها تبعات غير الكفر؛ فمنع من الاستغفار لها بسببها؛ و الجواب الأوّل أقعد؟ و هذا تأويل في الجملة.
ثمّ رأيت طريقا أخرى للحديث؟ مثل لفظ رواية معمر؛ و أزيد وضوحا؛ و ذلك انّه صرّح فيه بأنّ السائل أراد أن يسأل عن أبيه (صلى اللّه عليه و سلم) فعدل عن ذلك تجمّلا و تأدّبا:
فأخرج الحاكم في المستدرك- و صحّحه- عن لقيط بن عامر أنّه خرج وافدا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و معه نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق؛ فقال: قدمنا المدينة لانسلاخ [شهر] رجب؛ فصلّينا معه صلاة الغداة؛ فقام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في الناس خطيبا- فذكر الحديث إلى أن قال:- فقلت: يا رسول اللّه هل أحد ممن مضى منّا في جاهليّة من خير؟
فقال رجل من عرض قريش: (إنّ أباك المنتفق في النار) فكأنّه وقع حرّ بين جلد وجهي و لحمي