العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ٢٩٩ - أمّا تشبيه الأبوين في الحكم و التسوية
قال: و إنّما هي كرامة له (صلى اللّه عليه و سلم).
تنبيه: ثمّ رأيت الإمام أبا عبد اللّه محمّد بن خلف الآبي بسط الكلام على هذه المسألة في شرح مسلم عند حديث: (إنّ أبي و أباك في النار) فأورد قول النووي فيه: (أنّ من مات كافرا في النار؛ و لا تنفعه قرابة الأقربين) ثمّ قال:
قلت: انظر هذا الإطلاق؛ و قد قال السهيلي: ليس لنا أن نقول ذلك فقد قال (صلى اللّه عليه و سلم): «لا تؤذوا الأحياء بسبّ الأموات».
و قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ [لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً] [٥٧/ الأحزاب: ٣٣] و لعلّه يصحّ أنّه (صلى اللّه عليه و سلم) سأل اللّه سبحانه فأحيا له أبويه فآمنا به؛ و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فوق هذا؛ و لا يعجز اللّه سبحانه شيء.
ثمّ أورد [السهيلي] قول النوويّ- و فيه: (أنّ من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان [فهو] في النار؛ و ليس هذا من التعذيب قبل بلوغ الدعوة؛ لأنّه بلغتهم دعوة إبراهيم و غيره من الرسل)- ثمّ قال [السهيلي]: تأمّل ما في كلامه [هذا] من التنافي فإنّ من بلغتهم الدعوة ليسوا بأهل فترة؛ فإنّ أهل الفترة هم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأوّل و لا أدركوا الثاني كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى و لا لحقوا النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)؛ و الفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كلّ رسولين؛ و لكنّ الفقهاء إذا تكلّموا في الفترة فإنّما يعنون [المعنى] التي بين عيسى و النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)؛ و لمّا دلّت القواطع على أنّه لا تعذيب حتّى تقوم الحجّة؛ علمنا أنّهم غير معذّبين. [ثمّ قال]:
فإن قلت: صحّت أحاديث بتعذيب أهل الفترة كصاحب المحجن و غيره؛ قلت: أجاب عن ذلك عقيل بن أبي طالب بثلاثة أجوبة:
الأوّل: إنّها أخبار آحاد فلا تعارض القاطع.
الثاني: قصر التعذيب على هؤلاء؛ و اللّه أعلم بالسبب.
الثالث: قصر التعذيب- المذكور في هذه الأحاديث- على من بدّل و غيّر الشرائع؛ و شرّع