العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ٤٤ - و أمّا تسليط الجسد على كرسيّه
و البغي في اللغة هو الطلب؛ فمنه الحديث: «إنّ للّه روّادا في الأرض يرتادون فإذا أتوا على حلق الذكر قالوا: يا باغي الخير هلمّ، و يا باغي الشرّ انته».
و هذا لفظ يدخل على الخير و الشرّ؟ و يتبيّن ذلك بقرائنه [١].
و تأوّل بعض أهل العلم بالحديث [قال:] إنّ معنى قوله: «إخواننا بغوا علينا»:
أي هم إخواننا طلبوا إلينا عللا.
و قال بعضهم: معناه: طلبوا فينا الحقّ على العموم و لم يتدبّروا وجه الخصوص و الأحقّ و الأولى من قوله صلى اللّه عليه: «الأئمّة من قريش». و قوله (عليه السّلام): «إنّ هذا الأمر لهذا الحيّ من قريش»، فطلبوا حقّا وضعه النبيّ صلى اللّه عليه في العموم و لم يعلموا أنّ الناس إذا أجمعوا على رجل منهم مخصوص معيّن بطل حقّ الآخرين ما دام هذا المتابع [المجمع عليه] على صحّته، فكيف و المرتضى (رضوان اللّه عليه) قد أخبر الرسول (عليه السّلام) بولايته، فوجب تقديمه في وقته و تفويض الأمر إليه في إمرته، مع ما جمع اللّه سبحانه فيه من الخصال و الأخلاق الّتي يتفوّق من فاز بواحدة منها على أقرانه، فكيف [و] هو رضى اللّه عنه [حاو] بمجموعها!/ ٤٨٩/ و لو لم يكن وقوع هذه الشبهة لهم لحكمنا بتفسيقهم، و لكن الحدود يدرأ بالشبهات.
و قال بعضهم: البغي على وجهين: أحدهما يسقط العدالة، و الآخر لا يسقطها، و الأصل [في البغي] هو طلب ما ليس له، و قد كان معاوية و أهل الشام و غيرهم [ممّن عارض المرتضى و نازعه] طلبوا ما ليس لهم طلبه، لأنّ المرتضى (رضوان اللّه عليه) كان هو الأفضل، و من السنّة تقديم الأفضل على المفضول، فكانوا بغاة على هذا الوجه.
و أمّا الوجه الّذي يسقط العدالة فلا [٢] و ذلك لإجماع أهل النقل على الرواية
[١] و على فرض صدق هذا الكلام- و كون لفظ: (البغي) مشتركا بين الخير و الشرّ؛ و احتياج تعيين كلّ واحد من المعنيين إلى القرينة المعيّنة- نقول: القرينة المعيّنة لإرادة الشرّ من كلمة: (البغي) موجودة هاهنا؛ و هي أمر اللّه تبارك و تعالى بقتال الباغي إلى أن تفيء إلى أمر اللّه؛ و قتله إن لم يفىء إلى أمر اللّه؛ كما في الآية الكريمة المتقدّم الذكر.
[٢] الأقوال المتقدّمة كلّها من باب تقديم الهوى على البرهان؛ و استشهاد الثعلب بذنبه؛