العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ٣٢٢ - أمّا تشبيه الأبوين في الحكم و التسوية
و قد ذكر بعضهم أنّه لم ترضعه مرضعة إلّا أسلمت؛ قال: و مرضعاته أربع: أمّه و حليمة السعدية و ثويبة و أمّ أيمن انتهى.
فإن قلت: فما تصنع بالأحاديث الدالّة على كفرها و أنّها في النار؛ و هي حديث أنّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: (ليت شعري ما فعل أبواي؟) فنزلت: وَ لا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ [١١٩/ البقرة: ٢].
و حديث: أنّه استغفر لأمّه فضرب جبرئيل في صدره و قال: لا تستغفر لمن مات مشركا!
و حديث: أنّه نزل فيها: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [١١٣/ التوبة: ٩].
و حديث: أنّه قال لابني مليكة: (أمّكما في النار) فشقّ عليهما فدعاهما فقال: (إنّ أمّي مع أمّكما؟).
قلت: الجواب: أنّ غالب ما يروى من ذلك ضعيف؛ و لم يصحّ في أمّ النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) سوى حديث: إنّه استأذن في الاستغفار لها فلم يؤذن له.
و لم يصحّ أيضا في أبيه إلّا حديث مسلم خاصّة و سيأتي الجواب عنهما.
و أمّا الأحاديث التي ذكرت فحديث: «ليت شعري ما فعل أبواي» فنزلت الآية. لم يخرّج في شيء من كتب [الحديث] المعتمدة؛ و إنّما ذكر في بعض التفاسير بسند منقطع لا يحتجّ به و لا يعوّل عليه؛ و لو جئنا نحتجّ بالأحاديث الواهية؛ لعارضناك بحديث واه أخرجه ابن الجوزي من حديث عليّ مرفوعا: (هبط جبريل عليّ فقال: إنّ اللّه يقرئك السلام و يقول: إنّي حرّمت النار على صلب أنزلك و بطن حملك و حجر كفّلك) و يكون من باب معارضة الواهي بالواهي إلّا أنّا لا نرى ذلك و لا نحتجّ به.
ثمّ إنّ هذا السبب مردود بوجوه أخرى من جهة الأصول و البلاغة و أسرار البيان؛ و ذلك إنّ الآيات من قبل هذه الآية و من بعدها كلّها في اليهود من قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ إِيَّايَ فَارْهَبُونِ إلى قوله: وَ إِذِ ابْتَلى