تفسير أمومة الولاية و المحكمات للقرآن الكريم - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٥٢١ - محكمات القرآن تفسر متشابهات السنة
الجملة الخبرية على شرط قدْ مضى في الزمان السابق.
ولذا فَهِم قوم إبراهيم (ع) بأنَّ المعنى بهذا الخطاب- أي خطاب إيّاك أعني واسمعي يا جارة- هم أنفسهم فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ [١] فإنَّ هذا الكلام قدْ صدر من وجدانهم وضميرهم فهو يتكلم (فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا ...) فخاطبهم ضميرهم وأكَّد لهم على أنَّهم ظلموا أنفسهم وليسَ أحدٌ ظلمهم، وأنَّ هذهِ الأصنام لا تستحق العبادة، وإسناد الأُلوهية والتأليه إليها ظلم بحق مَن يَعبد حقيقة لا غير وهو الله تعالى، وأنَّ مثل هذهِ الأصنام والأوثان ليست لها حقوق وشانية وعظمة حتّى تستحق أنْ تقول: مَن اجترى على هذهِ الأصنام وكسّرها فهو ظالمٌ كلّا أنها لا تستحق ذلك.
والمهم من كل هذا أنَّهم تيقظوا وانتبهوا من غفلتهم ببركة خطاب إبراهيم بهذهِ الطريقة البلاغية، وهشَّم أصنامهم ليثبت لهم أنها لا تملك لنفسها ولا لغيرها ضرّاً ولا نفعاً، فلما جاؤها ورؤها مكبوبة مهينة تساؤلوا: قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ، قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ، فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ [٢].
وإلى هذا الموقف كان يجب على الضّلال أنْ يهتدوا، وأنْ يصحوا من غفلتهم على ضوء الحقيقة الرائعة، لكن النفوس الملتوية تتقلب فيها مقدمات الحق، فإذا بها تتمخض عن نتيجة أُخرى.
لقد عادوا يقولون لإبراهيم (ع) إنَّ آلهتنا- كما علمت- لا تنطق
[١] سورة الأنبياء: الآية ٦٤.
[٢] سورة الأنبياء: الآية ٦٤.