تفسير أمومة الولاية و المحكمات للقرآن الكريم - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٥١١ - الضوابط والنماذج التطبيقية لقاعدة إياك أعني واسمعي يا جارة
وعليه فلا يظن علماء اللغة أو الأدب أنَّهم يتوسعون ويحيطون في علومهم مقابل بيانات أهل البيت (عليهم السلام) من أنَّ الإرادة التصورية والتفهيمية والاستعمالية والجدية ذو طبقات من الاستعمال كما سوف يتضح كُلّ ذلك في القاعدة الرابعة- استعمال اللفظ في أكثر من معنى- إنْ شاء الله تعالى.
النموذج الثاني: قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [١].
ويستشهد بهذهِ الآيات المباركات على قاعدة [إياكِ أعني واسمعي يا جارة] وذلك ببيان:
إنَّ الآية الأولى فيها خطاب من الله تعالى يشتمل على مساءلة ومحاسبة ومداينة نبي الله عيسى (ع) وإنَّما وجهها إلى عيسى (ع) بحسب الظاهر والصورة وإلّا فبالواقع هذهِ المسائلة والمداينة موجهة إلى أمَّة عيسى (ع) أي النصارى الذين حَرَّفوا دين الله وشريعة عيسى (ع) بعده ومن الواضح أنَّ عيسى (ع) لم يحرِّف الشريفة السماوية التي جاء بها حتّى يقصد بالخطاب القرآني والمعاتبة والمحاسبة، وإنَّما بواسطته وجّه الله الخطاب إلى قومه لما في ذلك تأثير أشد على قوم عيسى (ع)، وفي نفس الوقت ذلك التعامل الرباني فيه نوع من الرأفة بعباده والتدبير والستر واللين، فإنَّ الله تعالى حتّى في يوم القيامة لا
[١] سورة المائدة: الآيات ١١٦- ١١٨.