شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤٧٣
قال أبو سعيد- رحمه اللّه-: و الذي يتبين من لفظه ما حكوه تسكين الميم و الباء و هو على أحد وجهين أما أن يكون أخفى الحركة على ما يعتقده كثير من البصريين، و يتأوله أبو بكر بن مجاهد- رحمه اللّه- في بعض ما روي عن أبي عمرو، و ذلك أنه حكى عن اليزيدي عن أبي عمرو تسكين في يَنْصُرْكُمْ [التوبة: ١٤]، و يَأْمُرُكُمْ [البقرة:
٦٧]، و ذكر عقيبة أن سيبويه و نحويي البصريين ينكرونه و ينفون أن يكون محفوظا عن أبي عمرو و يحكون أن أبا عمرو كان يميله إلى التخفيف يختلس الكسرة و الضمة إذا توالت الحركات فيرى من يسمعه ممن لا يضبط سمعه ما خفيت حركته أنه أسكن و لم يسكن.
قال أبو بكر: و لا أحسب القول إلا ما قال، و حكي عن جماعة عن أبي عمرو ما يضعف رواية اليزيد عنه و يقوي ما قاله سيبويه، و أهل البصرة؛ فأما أن يكون على التسكين الذي حكي عنه في قوله: يَنْصُرْكُمْ و يَأْمُرُكُمْ حكاه عنه اليزيدي.
و قد حكي عن الكسائي أيضا فيما كان مثل يَأْمُرُكُمْ ثلاث لغات الإشباع و التخفيف و الجزم، و إنما هو تسكين ضمة بين حرفين متحركين كقولهم في رسل و رسل و في عجز و رجل عجز و رجل و كذلك في المكسور نحو قولنا: في فخذ فخذ و في علم علم، و مذهب سيبويه أن لا تدغم الفاء في الباء.
و كذلك ذكر أبو بكر بن مجاهد قال: قال اليزيدي: كان أبو عمرو لا يدغم الفاء في الباء.
قال: و لم يذكر عنه في الباء مع الفاء شيئا. قال أبو بكر: و القياس يوجب إدغامها تعريفا منها و يحتمل تركه ذكرها إذا ذكر ما لا يدغم فيها أن يكون أباح إدغامها ... و اللّه أعلم.
قال: و لم أر من أدركت من الذين يقرؤون قراءة أبي عمرو بحثوا عن إدغام الباء في الفاء، و ما ذكر أبو بكر هو مذهب سيبويه لأنه يدغم الباء في الفاء و لا يدغم الفاء في الباء.
و قد ذكر في موضعه من كلام سيبويه، و قد أدغم الكسائي وحده الفاء في الباء في قوله إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ [سبأ: ٩]، لأن أقرب المخارج إلى مخرج الباء مخرج الفاء، و هو قليل ضعيف و أما التاء؛ فإنها تدغم في مثلها إذا كانت الأولى ساكنة ضرورة و إذا كانت الأولى متحركة فإن أبا عمرو يدغم في بعض و لا يدغم في بعض؛ فما أدغم قوله ذاتِ الشَّوْكَةِ [الأنفال: ٧]، في تاء تكون و مما لم يدغم كُنْتَ تَرْجُوا [القصص: ٨٦]، و كُنْتُ تُراباً [النبأ: ٤٠]، و كِدْتَ تَرْكَنُ [الإسراء: ٧٤]،