شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٩٣
و الذي قاله غلط؛ لأن الحروف قد تتآخى باتفاقات بينها على غير جهة كونها في حيز واحد و غير التجاوز في المخرج لاشتراكهما في الغنة، و قد تقلب الهمزة واوا و ياء و ليست من مخرجهما كقولك في مؤمن و جؤنة و ذئب و بئر مومن و بير و قد كفانا امتحان ذلك؛ فإنه كالمشاهد لأنك لو بدأت بحرف مفتوح ثم وصلت به واوا أو ياء أو ألفا، ثم وقفت تبين لك اختلاف مخارجها نحو قولك: لولا لا و هذا لا يحتاج إلى إقامة البراهين عليه.
و أما ما ذكره صاحب كتاب العين في المخارج فذكرت جملته ليوقف عليه و كرهت شرحه، و الكلام عليه؛ لأن القصد في هذا الكتاب تفسير كلام سيبويه.
قال سيبويه: فأما المجهورة فالهمزة و الألف و العين و الغين و القاف و الجيم و الضاد و اللام و النون و الراء و الطاء و الدال و الزاي و الظاء و الذال و الباء و الميم و الواو؛ فذلك تسعة عشر حرفا.
فأما المهموسة فالهاء و الحاء و الخاء و الكاف و السين و الصاد و التاء و الثاء و الفاء فذلك عشرة أحرف.
فالمجهورة حرف أشبع الاعتماد في موضعه و منع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه، و يجري الصوت فهذه حال المجهورة في الحلق و الفم؛ إلا أن النون و الميم قد يعتمد لهما في الفم و الخياشيم فتصير فيهما غنة، و الدليل على ذلك أنك لو أمسكت بأنفك ثم تكلمت بهما لرأيت ذلك قد أخل بهما.
و أما المهموس فحرف أضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى معه النفس؛ فأنت تعرف ذلك إذا اعتبرت و رددت الحرف مع جري النفس و لو أردت ذلك في المجهور لم تقدر عليه.
فإذا أردت اعتبار الحرف فأنت ترفع صوتك إن شئت بحروف المد و بما فيها منها، و إن شئت أخفيت.
قال أبو سعيد- رحمه اللّه- سمى سيبويه هذه الحروف مجهورة لما فيها من إشباع الاعتماد المانع من جري النفس معه عند الترديد لأن قوة الصوت باقية أخذه سيبويه من الجهر و سمي الحروف الأخر مهموسة، لأن الهمس الصوت الخفي فلضعف الاعتماد فيها و جري النفس مع ترديد الحرف تضعف.
و قد جعلت لحروف الهمس كلمتين و هما ستشحثك خصفه يجمعانها في الأصل ليسهل حفظهما لأن الناظر في النحو ليس يكثر الاعتياد لها.