شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤١٦
ألا ترى أن حروف المد و اللين و إن تباعدت مخارجهن يجتمعن في أحكام و ينقلب بعضهن إلى بعض؛ لأن ما بينهن في المد و اللين أقوى مما يكون بين المتقاربات في المخرج، و لقائل أن يقول إن منع سيبويه إدغام الجيم في الياء و الميم في الواو و لئلا يدخل الميم فيما لا يكون فيه لين.
و قد أدغم النون في الياء و الواو و ليس في النون لين؛ فإن الجواب في ذلك أن النون لما فيه من الغنة و أن له مخرجا من الخيشوم أجري مجرى حروفه المد و اللين في الإعراب في يذهبان و يذهبون، و تذهبين و التنوين الشائع للإعراب و بدل الألف منهما في زيدا و اضربا فقربت بذلك من حروف اللين و حملت عليها و ليس كذلك غيرها.
قال: و إذا كانت الواو قبلهن ضمة و الياء قبلها كسرة فهو أبعد للإدغام لأنهما حينئذ أشبه بالألف و هذا مما يقوي ترك الإدغام فيهما و ما قبلهما مفتوح؛ لأنهما يكونان كالألف في المد و الطول و ذلك نحو: ظلموا مالكا و اظلمي جابرا.
قال أبو سعيد- رحمه اللّه-: ذكر سيبويه أولا أنه لا يجوز إدغام الياء المفتوح ما قبلها في الجيم و الواو المفتوح ما قبلها في الميم ثم قال: و إذا كان ما قبل الواو [] [١] أبعد لإدغامهما في الميم و الجيم و مثلهما يظلموا مالكا و اظلمي جابرا.
و قوله: و هذا مما يقوي ترك الإدغام فيهما و ما قبلهما مفتوح يعني أن الواو و الياء المفتوح ما قبلهما مد؛ فلا يدغمان في الميم و الجيم كما تدغم الواو المضموم ما قبلها و الباء المكسور ما قبلها في الميم و الجيم لاشتراكهن في المد.
و قوله: لأنهما يكونان كالألف في المد و الطول راجع إلى الواو و المضموم ما قبلها و الياء المكسور ما قبلها.
قال: و من الحروف حروف لا تدغم في المقاربة و المقاربة فيها و تلك الحروف الميم و الراء و الفاء و الشين.
و اعلم أن هذه الحروف لكل واحد منهن ضرب من الفضل على غيره كرهوا ذهاب ذلك الفضل بإدغامه في غيره و يذكر في موضعه إن شاء اللّه، و ذلك نحو قولك اكرم به لا يدغمون الميم في الباء؛ لأنهم يقلبون النون ميما إذا كانت ساكنة و بعدها ياء في نحو قولهم: العنبر، و من بدأك فلما وقع من الباء الحرف الذي يفرون إليه من النون و لم يغيروه و جعلوه بمنزلة النون إذا كانا حرفي غنة؛ لأن الميم لها غنة، و ليس الباء التي من
[١] كشط بالأصل.