شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٩٧
يريد أنه جاء من الحروف على حرفين و هو أكثر مما جاء على حرف و احتمل مجيئه على حرفين لأنه قد جاء منه على حرف و لا تصرف له فيحتاج إلى تكثير الحروف.
فمن ذلك أم و أو و قد بين معناهما في بابهما و هل و هي للاستفهام، و لم و هي نفي لقوله فعل و لن و هي لقوله سيفعل، و إن و هي للجزاء فتكون لغوا في قولك: ما أن يفعل.
و ما أن طببنا جبن [١]
قال أبو سعيد: قوله" و تكون أن لغوا في قوله ما أن يفعل" فإن الفراء يقول إنهما جميعا للنفي، و زاد على ذلك بأنه يقال: إن ما، فتكون الثلاثة للجحد، و أنشد:
إلا أواري لا إن ما أبينها
و الذي قاله عندي فاسد، لأن الجحد إذا دخل على جحد صار إيجابا، فإذا قلنا: ما أن قام زيد، و جعلناهما جميعا للجحد صار الكلام إيجابا، و الذي قاله أصحابنا هو صحيح، لأنهم جعلوا أحدهما لغوا و اعتمدوا بالجحد على الآخر. و أما البيت الذي أنشده فرواية الناس" لأيا ما أبينها".
" و أما إن مع ما في لغة أهل الحجاز فهي بمنزلة ما في قولك: إنما الثقيلة تجعلها من حروف الابتداء".
يعني أن ما إن زيد قائم في لغة بني تميم تكون إن فيها لغوا و تأكيدا على ما ذكرناه، لأنهم لا يعملون ما، و أما في لغة أهل الحجاز فإن تكون كافة لما من العمل حتى يكون ما بعدها مبتدأ و خبرا، كما تدخل" ما" على" إن" فيليها الابتداء، كقولك: إنما زيد قائم.
قال:" و أما ما فهي نفي لقوله هو يفعل إذا كان في حال الفعل، و تكون بمنزلة ليس في المعنى، تقول عبد اللّه منطلق، فتقول: ما عبد اللّه منطلق أو منطلقا، فتنفي بهذا اللفظ كما تقول: ليس عبد اللّه منطلقا، و تكون توكيدا لغوا، و ذلك قولك: متى ما تأتني آتك، و تقول: غضبت من غير ما جرم، و قال اللّه تعالى: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) [٢]، فهي لغو في أنها لم تحدث إذا جاءت شيئا لم تكن قبل أن تجيء من العمل، و هي توكيد للكلام".
[١] قائله فروة بن مسيك المرادي الصحابي، انظر الوحشيات ٢٨، الخصائص ٣/ ١٠٨، ابن يعيش ٨/ ١٢٩.
[٢] سورة النساء الآية: ١٥٥.