شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤٣٨
أفشى في السمع و رأوا إجحاقا أن تغليب الدال على الإطباق، و مثل ذلك إدغامهم النون فيما تدغم فيه بغنة، و بعض العرب يذهب الإطباق حتى يجعلها دالا خالصة أرادوا أن لا تخالفها إذ آثروا أن يقلبوها دالا كما أدغموا النون بلا غنة، و كذلك الطاء مع التاء؛ إلا أن ذهاب الإطباق مع الدال أمثل قليلا؛ لأن الطاء كالدال في الجهر و التاء مهموسة، و كل عربي و هو قولك: اضبط توأما و تصير الدال مع الطاء طاء، و ذلك قولك: انقذ طالبصا و كذلك التاء كقولك: ابعث طالبا؛ لأنك لا تجحف بهما في الإطباق، و لا غيره و كذلك التاء مع الدال؛ لأنه ليس بينهما إلا الهمس و الجهر و ليس في واحد منهما إطباق و لا استطالة و لا تكرير يريد ليس بين التاء و الدال فضل إلا أن الدال مجهورة و التاء مهموس، و ليس يفضل بذلك أحدهما على الآخر في الصوت فضلا بينا و ليس في أحدهما فضل إطباق و لا فضل استطالة كما في الضاد و الشين من الاستطالة و لا تكرير كما في الراء من التكرير و استشهد لبعض ما قدمه بقول العرب حتّهم يريدون حطتهم و بعده كلام يغني عنه ما مضى، و لو تبينت فقلت: اضبط دلاما و اضبط تلك و انقذ تلك و انعت دلاما جاز.
و البيان في هذا يثقل لشدتهن و لزوم اللسان موضعين لا يتجافى عنه فيثقل البيان في هذه الحروف إذا تلاقت؛ لأنها من موضع واحد و هي شديدة و لو كانت من موضع واحد، و كان رخوة لكان البيان أحسن، و ذلك في الصاد و الزاي و السين لرخاوتهن.
قال: فإن قلت: أقول أصحب مطرا، و هما شديدتان؛ فالبيان فيهما أحسن فإنما ذلك لاستعانة الميم بصوت الخياشيم فضارعت ما لا يدغم ما قرب إليه فيه، و هو النون يريد أن الميم فيها غنة، و الغنة من الخيشوم فصار بمنزلة ما تجافى عن موضعه و جرى فيه الصوت.
و قد ضارعت الميم النون بالغنة و النون لا تدغم فيها فحسن ذلك الإظهار، و البيان و على أن الباء شديدة و الرخوة و الطاء و الدال و التاء شديدات فما بين الباء و الميم أبعد.
قال: و قصة الصاد مع السين و الزاي كقصة الطاء مع الدال و التاء إلى قوله، و البيان أحسن لرخاوتهن و تجافي اللسان عنهن يريد أن البيان في الصاد و أختيها أحسن منه في الطاء و أختها.
قال: و قصة الظاء و الثاء و الذال كذلك إلى قوله: و البيان فيهن أمثل منه في الصاد و السين و الزاي؛ لأن رخاوتهن أشد من رخاوتهن لانحدار طرف اللسان، و لم يكن له رد يعني أن الظاء و الذال و الثاء أشد رخاوة؛ لأن اللسان في النطق بهن يخرج عن الأسنان، و لا تردهن الأسنان كما ترد السين و الزاي و الصاد، و ذلك أن الظاء و الذال و الثاء إذا وقفت