شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤٣٠
و كان العلم بأنها نون من ذلك الموضع مثله إذا كانت من الفم؛ لأنه ليس حرف يخرج من ذلك الموضع غيرها؛ فاختاروا الخفة إذا لم يكن لبس و ذلك قولك من كان و من قال، و من جاء.
قال أبو سعيد- رحمه اللّه-: جملة قول سيبويه أن النون تخفى إذا كانت ساكنة قبل خمسة عشر حرفا من حروف الفم و هي القاف و الكاف و الجيم و الشين و الضاد و الصاد و السين و الزاي و الطاء و الدال و التاء و الظاء و الذال و الثاء و الفاء.
و من الناس من يخفيها قبل الغين و الخاء، و إنما أخفاها عند هذه الحروف؛ لأنها حروف الفم و للنون مخرج من الفم فصارت هذه الحروف ملابسة للنون باشتراكهن في الفم و مع ذلك أن النون تدغم في حروف من حروف الفم و الإخفاء في طلب الخفة كالإدغام في طلب الخفة؛ فلما أمكن استعمال الخيشوم وحده في النون ثم استعمال الفم فيما بعده كان ذلك أخف من أن يستعملوا الفم في إخراج النون ثم يعودوا إلى الفم فيما بعد النون و هذا معنى قوله: كان أخف عليهم أن لا يستعملوا ألسنتهم إلا مرة.
و لا يقع لبس في خروجها من الخيشوم، و إنما ساغ هذا في حروف الفم خاصة دون حروف الحلق لقرب مدخل الخيشوم، و مخرجه من حروف الفم دون حروف الحلق.
قال: و هي يعني النون مع الراء و اللام و الياء و الواو إذا أدغمت بغنة فليس مخرجها من الخياشيم؛ لأنها لا تدغم في شيء من الحروف حتى يحول من جنس ذلك الحرف؛ فإذا أدغمت في حرف فمخرجه مخرج ذلك الحرف و لا يمكن إدغامها في هذه الحروف حتى تكون مثلهن سواء في كل شيء.
و هذه الحروف لا حظ لها في الخياشيم، و إنما يشرب صوت الفم غنة، ثم ذكر حروف الحلق و هي الهمزة و الهاء و العين و الغين و الخاء.
و أن النون قبلها بنية موضعها من الفم قال: و ذلك أن هذه الحروف تباعدت و ليس من قبيلها فلم تخف هاهنا، كما أن حروف اللسان لا تدغم في حروف الحلق، و إنما خفيت مع حروف الفم كما أدغمت في اللام و أخواتها.
قال أبو سعيد- رحمه اللّه-: اعلم أن حروف الحلق أشد علاجا و أصعب إخراجا و أحوج إلى تمكين آلة الصوت من غيرها، و من أجل ذلك لا يمكن النطق بأربعة أحرف من حروف الحلق، و هي الهمزة و الهاء و العين و الحاء إذا كان قبلها النون الساكنة التي مخرجها من الخيشوم؛ لأنه لا علاج في إخراجها و لا اعتماد و إخراج حروف الحلق محتاج إلى اعتمادات تكون في اللسان؛ فإذا كان قبلها نون ساكنة بينة أمكن إخراجها؛ لأن النون