شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤٢٨
واحد من موضع واحد، و الانتهاء مختلف، ألا ترى أنك لو قلت من وفي نفسك الكاف فقطعك عن لفظك بالكاف قاطع صار اللفظ من كما يكون من مفردة إذا لم تنو معها الكاف؛ فإذا بدأت بإخراج نون عنبر من الخيشوم على ما ذكرناه، و صوت الخيشوم مشترك بين النون و الميم في المبدأ، و إنما يتغير في المقطع؛ فاعتماد المتكلم على إخراج الباء يمنع من استمداد الصوت بغنة الخيشوم.
و احتاج المتكلم إلى أحد أمرين في المقطع إما أن يجعله من مخرج النون من الفم فيقول: عنبر ببيان النون و إخراجها من الفم و ذلك ممكن و فيه مشقة.
و أما أن يجعل المقطع من موضع الميم و هو مخرج الباء فيجعله ميما، و ذلك أسهل فهذا سبب جعلها ميما و اللّه أعلم.
و لا تدغم النون في الباء للبعد بينهما في المخرج إن كانت و من الفم و من الخيشوم لأنهما لا يجتمعان في المخرج و لا في الغنة المقرية إذا بينهما على بعد المخرجين فإن قيل؛ فهل يجوز إذا قلبت النون ميما أن تجعل الباء ميما، و تدغم الميم في الميم فتقول: عمر في عنبر و شمّاء في شنباء.
كما يجوز لك في قولك: أقم البصرة أن تقلب الباء ميما، و تدغم فتقول: أقم البصرة قلت: ذلك لا يجوز عندي لما يقع فيه من اللبس بما عينه و لامه ميم؛ ألا تراهم قد بينوا في قنبة و زنمة النون و أخرجوها من الفم لئلا يدغموا فيقولوا فيه وزمة فيتوهم أنهما باءان و ميمان، و تدغم مع الواو بغنة و بلا غنة؛ لأنها من مخرج ما أدغمت فيه، و إنما منعها أن تقلب مع الواو ميما أن الواو حرف لين يتجافى عنه اللسان و الميم كالباء في الشدة و لزوم الشفتين فكرهوا أن يكون مكانها أشبه الحروف عن موضعها بالنون و ليس مثلها في اللين و التجافي و المدة؛ فاجتملت الإدغام كما احتملته اللام و كثرة البدل لما ذكرت لك.
قال أبو سعيد: أما إدغام النون في الواو بغنة و غير غنة؛ فقد ذكرناه، و أما قوله؛ لأنها من مخرج ما أدغمت فيه يريد لأن الواو من مخرج الميم، و قد أدغمت النون في الميم.
و قوله: إنما منعتها أن تقلب مع الواو ميما كما قلبت مع الباء ميما في اعنبر، و أشباهه أن الواو يتجافى عنها اللسان، و يريد باللسان الشفتين و في الواو أيضا مد و لين فتباعد ما بين الواو و الميم كالباء في الشدة، و لزوم الشفتين فمن أجل بعد الميم من الواو و شبهها بالباء جعلت النون و هي شبيهة الميم مع الباء ميما و لم يجعل مع الواو ميما.
و قوله: فكرهوا أن يكون مكانها أشبه الحروف من موضعها أي كرهوا أن تجعل النون ميما و الميم أشبه الحروف من موضع الواو بالنون و ليس مثلها في اللين و التجافي