شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤٢٧
جميع ما ذكرنا، و لم يدغموها؛ لأنهم لم يريدوا أن يبقى الإطباق إذ كان يذهب في الانفصال؛ فكرهوا أن يلزموه ذلك في حرف من حروف الإطباق، و ذلك قولهم اظعنوا، و في نسخة أبي بكر مبرمان؛ فهو أجدر أن تقلب التاء طاء.
و لا تدغم الطاء في التاء فتخل بالحرف؛ لأنهما في الانفصال أثقل من جميع ما ذكرنا يريد أن الطاء إذا كان بعدها تاء الافتعال قلبت التاء طاء و قلبها طاء مع الطاء أجدر من سائر ما ذكر قلبها معه طاء.
و قوله: لأنهما في الانفصال أثقل يريد أن التقاءهما في الانفصال ثقيل فإذا التقتا في كلمة ازدادت ثقلا فقوله: و لم يدغموها؛ لأنهم لم يريدوا أن يبقى الإطباق إذ كان يذهب في الانفصال يريد أنهم لم يدغموا الطاء في التاء؛ لأنهم لم يريدوا أن لا يبقى الإطباق كما قال عز و جل يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦].
و لو أدغموها في التاء لذهب الإطباق.
و قوله: إذ كان يذهب في الانفصال معناه: أنهم لم يريدوا أن لا يبقى الإطباق حسبما يذهب الإطباق في المنفصل إذا التقى في الصوت بمنزلة ما قرب من أقرب الحروف في الموضع، و لا يدغمون النون في الباء للبعد منها في المخرج، و أنها ليست فيها غنة، و لكنها أبدلوا مكانها أشبه الحروف بالنون، و هي الميم و ذلك قولك من يك و شنباء و العنبر يريد تقلب النون الساكنة إذا كانت بعدها باء ميما كقولك من بك و شنباء؛ لأن الباء من موضع الميم و النون تعتل مع الميم و اعتلالها أن تنقلب ميما؛ فأرادوا قلبها ميما مع الباء إذ كانت الباء من مخرج الميم.
كما أدغموها فيما يقرب من الراء كما أدغموا النون في الياء؛ لأن الباء تقرب من الراء و الراء أقرب الحروف من النون في قلبها ياء، و سترى قرب الراء من الياء إن شاء اللّه.
فإن قال قائل: فهل يلزم على ذلك إذا أدغم حرف في حرف أن يقلب الحرف المدغم مع كل حرف من مخرج الحرف المدغم فيه قيل له: لا يلزم ذلك حتى يكون معه معنى آخر يوجب ذلك القلب، و ذلك المعنى هو ما يلحق النون إذا كان بعد هاء؛ لأن ابتداء صوت النون من الخيشوم و لها حالان حال ابتداء و حال انتهاء؛ لأنها يتقرر مخرجها؛ فإذا ابتدأت إخراجها و حركاتها كانت من الفم لا غير و ذلك بين إذا امتحنته كقولك منا و منى و منو، و كذلك إذا وقفت عليها ساكنة، و هي من الفم كقولك: من و عن و هو بين إذا امتحنته.
و إذا وصلتها بما تخفى معه تفردت بالخيشوم كقولك: منك و عنك فأشد أصواتها