شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٩٦
سيبويه التاء بلسانه، و أخفى فقال: ألا ترى كيف يمكن تكرار الطاء و الدال و هما من مخرج التاء فلم يمكن و أحسبه ذكر ذلك عن الخليل قال سيبويه، و إنما فرق بين المجهور و المهموس أنك لا تصل إلى تبيين المجهور و لا أن يدخله الصوت الذي يخرج من الصدر فالمجهور كلها هكذا يخرج صوتهن من الصدر، و يجري في الحلق غير أن الجيم و النون تخرج أصواتهما من الصدر و تجري في الصدر و الخيشوم فيصير ما جرى في الخيشوم غنة يخالط ما جرى في الحلق، و الدليل على ذلك أنك لو أمسكت بأنفك ثم تكلمت بهما رأيت ذلك قد أخل بهما.
و أما المهموسة فتخرج أصواتها من مخارجها، و ذلك مما يزجي الصوت و لم يعتمد عليه فيها كاعتمادهم في المهموز فأخرج الصوت من الفم ضعيفا و الدليل على ذلك أنك إذا أخفيت همست بهذه الحروف و لا تصل إلى ذلك في المجهور؛ فإذا قلت شخص فإن الذي أزجى هذه الحروف صوت الفم، و لكنك تتبع صوت الصدر هذه الحروف بعد ما يزجها صوت الفم ليبلغ و يفهم بالصوت فالصوت الذي من الصدر هاهنا نظير ذلك الصوت الذي ترفعه بعد ما يزجي صوت الصدر ألا ترى أنك ت قول قام فإن شئت أخفيت و إن شئت رفعت صوتك؛ فإذا رفعت صوتك فقد أحدثت صوتا آخر.
قال أبو إسحاق: معنى جهرت أعلنت و أظهرت و كشفت و معنى همست أخفيت فليس في الطاقة حرف يمتنع من أن يجهر به، و في الحروف ما لا ينطق به إلا مجهورا و هي التسعة عشر حرفا فمتى رمت أن تنطق بشيء منها لم يتهيأ لك أن تأتي به خفيا فرم ذلك في العين و القاف و الطاء و الداء؛ فإنه يمتنع و لا يسمع إلا مجهورا، و منها ما يتهيأ لك أن تنطق به و مسمع عنك خفيا، و هي الأحرف العشرة فرم ذلك في التاء؛ فإنك تجده و ذلك قولك ت ت ت فهذه تسمع منك خفية و إن شئت جهرت بها و أخواتها أيضا يجرين مجراها في أنه يتهيأ أن يسمعن خفيات و هن مع هذا يختلفن لما فيهن من الرخاوة و الشدة و التاء أثبتهن في الهمس.
باب الإدغام في الحرفين اللذين تضع لسانك بهما موضعا لا يزول عنه
و قد بينا أمرهما إذا كانا في كلمة لا يفترقان، و إنما بينتهما في الانفصال؛ فأحسن ما يكون الإدغام في الحرفين المتحركين اللذين هما سواء إذا كانا منفصلين أن تتوالى خمسة أحرف تحرك بهما فصاعدا.
ألا ترى أن بنات الخمسة و ما كان عدته خمسة لا تتوالى حروفها متحركة استثقالا