شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٢٤
كان منها مضموما في أول الكلمة نحو: تخمة و تراث.
و الدليل على أن الواو أثقل من غيرها أن قلبها إلى غيرها أكثر من قلب غيرها إليها. و الدليل على أن الضمة فيها تثقلها أنها متى كانت مضمومة جاز قلبها إلى همزة أين وقعت على الشرط الذي وصفنا و الدليل على أن أول الكلمة أثقل و أولى بالإعلال من الحشو أن الواو إذا كانت مكسورة في أول الكلمة جاز همزها كقولنا في وسادة إسادة و في و شاح إشاح، فلما كان ذلك على ما ذكرنا و وقعت الواو مضمومة في أول الكلمة جاز إبدالها لما ذكرنا، فقلبت إما همزة و إما تاء. فأما قلبها همزة فلأن الهمزة تشارك حروف المد و اللين كلها و تقلب منهن و تقلبن منها و ذلك قولك في وجوه أوجه. و أما قلبها تاء فلأن الحرفين اللذين من مخرج الواو هما الباء و الميم لم يصلح قلب الواو إليهما. أما الباء فلأنها ليست من حروف الزيادة و لا هي من حروف البدل.
و أما الميم فلأنها تزاد في أوائل أسماء الفاعلين و المفعولين، فكرهوا أن يبدلوا الميم منها فيظن أن الميم علامة الفاعل أو المفعول به فتجاوزوا إلى ما يقارب مخرجها، فكان أقرب الحروف منها و أشبهها بها في الزيادة و البدل التاء لأنها من حروف الزيادة و هي أيضا من حروف البدل، فقلبوا الواو تاء لذلك، و هذا القول غير لازم و لا مطرد، و لكن متى رأيناه عللنا له. و بعض العرب من أهل الحجاز يلزم في افتعل الأصل و لا يقلب الواو تاء.
و تقول في افتعل من بابه: ابتعد باتعد فهو متعد. و إذا كانت فاء الفعل ياء فبدل التاء منها كبدلها من الواو، كقولنا في افتعل من يئست و بأست اتئست و اتأست و إنما صار كذلك؛ لأنك لو لم تقلب منها تاء لوجب أن تقول: ايتأس في الماضي و في المستقبل تاتئس، و في اسم الفاعل موتئس فتنقلب الياء و تتبع ما قبلها و يصير لفظها كلفظ ما فيه الواو، فعمل بها ما عمل بالواو، و من أهل الحجاز من يقلبها ياء و يجريها مجرى الواو على لغتهم. و ذكر قلب التاء من الدال و السين في ست و ستة، و ذلك أن الأصل فيهما سدس و سدسة، ألا ترى أنك تقول سدس و أسداس و سادس و سادسة، و إنما قلبتا تاء من قبل أن الدال و السين من مخرجين مختلفين و هما أيضا مختلفان في الهمس و الجهر، لأن الدال مجهورة و السين مهموسة، فالتمس حرف يقرب منها و يتوسط بينهما، فكانت التاء كذلك لأنها شاركت الدال و السين جميعا، فأما مشاركتها الدال فلأنها من مخرج واحد، و أما مشاركتها السين فلأنها مهموسة، و السين مهموسة، و ليس هذا القلب بواجب و لا لازم، و لكن جاء و احتج له، و قد قالوا: سدس فلم يدغموا، و قالوا سدس في إظماء الإبل و هو وردها اليوم السادس، كما أن الخمس وردها اليوم الخامس.