من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦١ - إنا فتحنا لك فتحا مبينا
بمعالجة التبعات المتوالدة من العمل الرسالي لئلا تكون عائقا عن التبليغ.
واللام في لِيَغْفِرَ للتعليل؛ أي أن الغرض من هذا الفتح المبين هو مغفرة ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ومن المعلوم أن لا رابطة بين الفتح وبين مغفرة الذنب بالمعنى الشائع، ولكن لأن الفتح قضية سياسية فلا بد أن يكون الذنب هو الآخر ذنبا سياسيا أي تبعات الدعوة التي يعدها الكفار خطايا الدعوة الجديدة، بينما لو اعتبرنا الذنب هنا شخصيا بين العبد وربه لظهرت اللام مبهمة وغير معقولة.
وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بهذا الفتح، وبتكريس الإسلام في المجتمع وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً قال البعض: [الصراط المستقيم هو السبيل إلى تدعيم أركان الإسلام ونشره]، ولعلنا نفهم من الآية والسياق أن لكل تطور جديد في الساحة السياسية معطيات سلبية وإيجابية يخشى أن تحرف مسيرة الإنسان، فمع كل تطور ضغوط، ومع كل ضغط احتمال للانحراف، والله يُعِدُّ نبيَّه صلى الله عليه واله في هذه الآية بأن لا تؤثر فيه تلك التطورات، سواء كانت من نوع الضغوط والهزائم، أو الإغراءات والانتصارات، وأن يبقى مستقيما على خط الرسالة.
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً لعل معنى العزيز هنا الثابت الذي لا يغالب، وقد تجسد هذا النصر في فتح مكة المكرمة، حيث إن صلح الحديبية كان تمهيدا لهذا النصر العزيز.
إذن فللفتح خمس نتائج رئيسة ومهمة وهي
أولًا: غفران ذنب الرسول الذي كان يعتقده المشركون، حيث انتهى بعد الصلح الحصار الإعلامي المطلق، فتحوَّل الرسول من حركة العصيان والتمرد إلى الحركة الشرعية.
ثانياً: إتمام النعمة على الرسول، بأن هيأ ربنا بهذا الصلح له الظروف ليكون أقدر على نشر الدين في المجتمع.
ثالثاً: تصفية العقبات التي اعترضت طريق انتشار الإسلام، ونم ثَمَّ دفع جانب من الضغوط التي يواجهها الرسول صلى الله عليه واله وأصحابه.
رابعاً: تهيئة الظروف المناسبة للنصر العزيز.
[٤] أما النتيجة الخامسة: التي يمكننا اعتبارها نعمة كبيرة بذاتها، فهي بعث روح السكينة في رَوعِ المؤمنين: فإذا بهم وهم بضع مئات يتحركون من المدينة باتجاه مكة التي يوجد فيها الألوف من أعدائهم المدججين بالسلاح، ولولا هذه السكينة لما تحرَّك الجيش الإسلامي إلى حدودها (الحديبية).