من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٠ - إن تنصروا الله ينصركم
مقابل الذات، والذات لا تهمنا، لأن الناس في الذات لا يختلفون، إنما يهمنا الصفات التي تحيط بهذه الذات، وهي مثالهم.
وحين يعطينا القرآن مقياس الحق والباطل فإنه يبيِّن لنا أمثال الناس، وجملة صفاتهم، التي بها نستطيع أن نعرف كيف نتصرف مع هذا وذاك، فمن اتبع الحق واليناه، لأنه مثل حسن، ومن اتبع الباطل عاديناه، لأنه مثل سيء.
[٤] ولأن هنالك مثالين: مثال الحق المتجسد في المؤمنين، ومثال الباطل المتجسد في الكفار، فإن الصراع قائم بينهما، ويتحول إلى قتال، وعلى المؤمنين أن يستعدوا نفسيا للمواجهة.
فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ اللقاء هنا هو لقاء المواجهة الدامية، ولا يعني- فيما يبدو من سياق الكلمة في سائر الآيات- أي لقاء بين مؤمن وكافر.
وضرب الرِّقاب: تعبير عن أشد أنواع القتل وأوضح صوره، وبه يتجلى الغضب المقدس الذي تمتلئ به روح المؤمن المخلص للحق.
وقالوا: معناه: [اضربوا ضرب الرقاب]. ولعل الكلمة توحي بضرورة حسم المعركة بأقوى الأسلحة، مما تُسَمَّى بالحرب الصاعقة التي عادة تقلل من الخسائر في الطرفين، بعكس حرب الاستنزاف التي قد تكون وبالا على الطرفين.
ولعل الحرب الصاعقة هي المرادة أيضا من آيات أخرى في الكتاب، كقوله سبحانه فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ [الأنفال: ٥٧].
حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ قالوا: الثخن بمعنى الغلظة، ويطلق على الغلبة، ونقل عن لسان العرب: أثخن إذا غلب وقهر، وقال البعض: أنه بمعنى تراكم القتلى والجرحى فوق الأرض.
فَشُدُّوا الْوَثَاقَ أي قيدِّوهم بحبل أو ما أشبه بشدة كناية عن أسرهم.
ويستوحى من الآية أن مرحلة أخذ الأسرى متأخرة عن مرحلة القتال، فلا ينبغي أن ينشغل الجيش قبل قهر عدوه بالأسرى.
فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً هنالك يختار القائد بين أن يَمُنَّ على الأسير بإطلاق سراحه، حين لا يرى في إبقائه مصلحة أو يرى في إطلاق سراحه مصلحة هامة للمسلمين، وبين أن يقبل الفدية التي قد تكون قدرا من المال يفرض على العدو بإزاء كل أسير، وقد تكون بعض