من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٠ - وما أنا بظلام للعبيد
حيث قالوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: ٣]. والآن يبيِّن القرآن بأن هذا الضلال لم يكن جديدا في تاريخ البشرية، لأن الماضي ينطوي على أمثال كثيرة من تكذيب الأقوام السالفة.
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِ وهم أصحاب البئر التي رسوا نبيهم فيها بعد أن قتلوه ( (عن عكرمة))، وقيل: الرس بئر قتل فيها صاحب ياسين (عن الضحاك)، وقيل هم قوم كانوا باليمامة على آبار لهم (عن قتادة)، وقيل: هم أصحاب الأخدود، وقيل: كان سحق النساء في أصحاب الرس (عن أبي عبد الله عليه السلام) [١]، والذي يبدو لي أنهم كانوا في اليمامة والرس اسم البئر التي دفنوا فيها نبيهم بعد أن قتلوه.
وَثَمُودُ وهم قوم صالح عليه السلام وَعَادٌ أي قوم هود عليه السلام وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وسمي أخاهم لأنه انتسب إليهم بالزواج، والله العالم وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ يعني قوم شعيب الذين اشتهرت حضارتهم بالزراعة والبساتين، والأيكة في العربية الأشجار المزدحمة التي تلتقي أغصانها، وفيها تبني الحمام أعشاشها غالبا وَقَوْمُ تُبَّعٍ وهو رجل صالح ملك اليمن، إلا أن قومه كانوا فاسدين كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ لقد بادت حضاراتهم نتيجة تكذيبهم الحق، أولا يهدينا ذلك إلى تحقق الجزاء في الآخرة كما تحقق في الدنيا، وحق الشيء أي ثبت ومنه الاستحقاق. وهؤلاء ثبت عذابهم، وتحول من القدر إلى القضاء، ومن الوعيد إلى الفعل.
[١٥] ويستنكر الله على هؤلاء تكذيبهم بالبعث، وشكهم في قدرته تعالى فيقول
أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ أي هل أعجزنا الخلق الأول من العدم عن أن نبعث الإنسان مرة أخرى؟ كلا، وفي الآية بيان إلى حقيقة تحلُّ شبهة هؤلاء حول البعث، وهي أن القادر على الخلق من العدم أولى بالقدرة على جمع أشلاء البشر ونفخ الروح فيه مرة ثانية. وهذا دليل عقلي بصير على الرجعة للحساب، وإن كان كلا الأمرين سواء عند الله الذي لا يمسّه نَصَبٌ ولا لغوب. والقرآن يعبر عن هذه الفكرة في موضع آخر بصيغة ثانية، يقول تعالى أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [يس: ٨١- ٧٧].
وفي تفسير هذه الآية سأل جابر بن يزيد أبا جعفر عليه السلام عنها قال
[يَا جَابِر، تَأْوِيلُ ذَلِكَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَفْنَى هَذَا الخَلْقَ وَهَذَا العَالَمَ وَأَسْكَنَ أَهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وَأَهْلَ النَّارِ النَّارَ جَدَّدَ اللهُ
[١] مجمع البيان، ج ٩، ص ٢١٥.