من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢١ - مثل الجنة التي وعد المتقون
وقال عليه السلام
[إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَحْيَوْنَ فَلَا يَمُوتُونَ أَبَداً وَيَسْتَيْقِظُونَ فَلَا يَنَامُونَ أَبَداً وَيَسْتَغْنُونَ فَلَا يَفْتَقِرُونَ أَبَداً وَيَفْرَحُونَ فَلَا يَحْزَنُونَ أَبَداً وَيَضْحَكُونَ فَلَا يَبْكُونَ أَبَداً وَيُكْرَمُونَ فَلَا يُهَانُونَ أَبَداً وَيَفْكَهُونَ وَلَا يَقْطِبُونَ أَبَداً وَيُحْبَرُونَ وَيَسُرُّونَ أَبَداً وَيَأْكُلُونَ فَلَا يَجُوعُونَ أَبَداً وَيَرْوَوْنَ فَلَا يَظْمَئُونَ أَبَداً وَيُكْسَوْنَ فَلَا يَعْرَوْنَ أَبَداً وَيَرْكَبُونَ وَيَتَزَاوَرُونَ أَبَداً وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمُ الوِلْدَانُ المُخَلَّدُونَ أَبَداً بِأَيْدِيهِمْ أَبَارِيقُ الفِضَّةِ وَآنِيَةُ الذَّهَبِ أَبَداً مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ أَبَداً عَلَى الأَرائِكِ يَنْظُرُونَ أَبَداً يَأْتِيهِمُ التَّحِيَّةُ وَالتَّسْلِيمُ مِنَ اللهِ أَبَداً نَسْأَلُ اللهَ الجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [١].
أما الكافرون فليس لهم سوى النار مثوى وحصيرا وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ والسبب في دخولهم النار بدل الجنة هو أنهم استنفذوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، وغاروا في أوحال الشهوات، ولم يستهدفوا من وراء النعم الوصول إلى الغاية الأسمى أي الدار الآخرة، وهذا ما بينته الآية العشرون من سورة الأحقاف وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا [الأحقاف: ٢٠].
ونتساءل: ما معنى وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ؟
الجواب: المؤمن يأكل ليعمل، ويعمل للهدف، ويبتغي الهدف لله وَأَنّ إِلَىَ رَبّكَ المُنتَهَىَ [النجم: ٤٢]، بينما القضية معكوسة عند الكافر الذي يعمل ليحصل على متعة الأكل وسائر الشهوات، فالهدف عنده الذي تتمحور حوله سائر نشاطاته هو الأكل. أليس ذلك حالة الأنعام؟
[١٣] تلك كانت النار وهي موعدهم في الآخرة، أما في الدنيا فقد يصيبهم الله بعذاب من عنده اليم وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ كانوا يبنون بكل ريع آية يعبثون، ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون، وإذا بطشوا بطشوا جبارين، وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا فارهين، وكانت الأنهار تجري من تحتهم، وكانوا يستخفون بالمؤمنين، ويقولون: إنهم لشرذمة قليلون .. ولكن ألم تر كيف فعل ربك بهم، ألم يصب عليهم سوط عذاب؟! بلى، فهل وجدوا لهم نصيرا؟!
ومن هذا السياق (علاقة الآية ١٢، بالآية ١٣) نستوحي الحقيقة التالية: أن المؤمنين يتعاملون مع الأشياء- كل الأشياء- باعتبارها وسائل للوصول إلى الأهداف، فهم لا يعتمدون عليها، ولا يتخذونها أندادا لله، ولا يحجبهم حبهم لها أو تعاملهم معها عن الله ورسالاته وأحكامه. وبكلمة واحدة: إنهم يجعلونها وسيلة يسخِّرونها لتحقيق الحكمة من خلقهم، ولا
[١] بحار الأنوار: ج ٨ ص ٢٢٠.