من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٠ - وما أنا بظلام للعبيد
مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَ ومن القول الثابت الذي تعنيه هذه الآية ما جاء في سورة صلى الله عليه واله عندما أقسم الشيطان أن يغوي العباد فردَّ الله عليه قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٤- ٨٥].
ثالثاً: إن العدالة الإلهية تأبى ذلك، إذ كيف يستوي المحسن والمسيء؟! أم كيف يصير الظالم إلى جانب المظلوم في الجنة دون أن يقتص من الأول، وربما فات الأخير الثأر في الدنيا؟! أترى من العدالة أن يدخل الجنة المانع للخير والممنوع عنه؟! أو المعتدي والمعتدى عليه؟! أترى يدخل ابن ملجم (لعنه الله) الجنة مع الامام علي عليه السلام وقد فجع المسلمين بقتله؟! أم يدخل يزيد (لعنه الله) الجنة مع الحسين عليه السلام وهو ابن خاتم الأنبياء، وسيد الأوصياء، وسيدة نساء العالمين؟! كلا، وحاشا لله عزَّ وجلَّ وهو العادل أن يفعل ذلك، وهذا كتابه ينطق عنه قائلا وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وإلى هذا المعنى يشير دعاء الامام علي عليه السلام حيث يناجي ربه قائلا
[فَبِاليَقينِ أَقْطَعُ لَولا ما حَكَمْتَ بِهِ مِنْ تَعْذيبِ جاحِديكَ، وَقَضَيْتَ بِهِ مِنْ إِخْلادِ مُعانِدِيكَ لَجَعَلْتَ النّارَ كُلَّها بَرْداً وَسَلاماً وَما كانَت لِأَحَد فيها مَقَرّاً وَلا مُقاماً، لكِنَّكَ تَقَدَّسَتْ أَسْماؤُكَ أَقْسَمْتَ أَنْ تَمْلأَها مِنَ الكافِرينَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعينَ، وَأَنْ تُخَلِّدَ فيهَا المُعانِدينَ، وَأَنْتَ جَلَّ ثَناؤُكَ قُلْتَ مُبْتَدِئاً، وَتَطَوَّلْتَ بِالإِنْعامِ مُتَكَرِّماً
أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ] [١].
[٣٠] رابعاً: وأخيرا يثير القرآن في أذهاننا بصورة غير مباشرة تساؤلا مهماً وهو لماذا خلق الله النار؟ هل خلقها عبثا وكيف يصدر منه ذلك وهو الحكيم الخبير، وقد قال في كتابه وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الانبياء: ١٦- ١٨]؟!
إذن ماهو هدف خلق النار؟
والجواب: واضح نجده في كثير من آيات القرآن ألا وهو مجازاة العاصين لله، كما أن الجنة خلقت لاكرام المطيعين.
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ وهذه الآية وآيات أخرى في القرآن تفنّد ما ذهب اليه البعض من أنه لا يوجد عذاب عند الله وعللَّوا ذلك بأنه عزَّ وجلَّ رؤوف خلق عباده ليرحمهم لا ليعذبهم، ومن هذا المنطلق راحوا يؤوّلون الآيات التي جاءت بصدد التحذير والوعيد بأنها لمجرد التخويف حتى يطيع الناس ربهم، وإلا فهي لا واقع لها.
[١] البلدالأمين: ١٨٥.