من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٨ - وألا تعلوا على الله
حتى استشهد مع الحق.
ولكن! لماذا اختار عمار رضي الله عنه هذا الموقف، بينما اختار ابن العاص الهزيمة أمام الفتنة؟
والجواب: لأن عمار كان دائما مع الحق، وحتى في دقائق حياته، ومنذ إيمانه بالرسول صلى الله عليه واله، حتى قال فيه رسول الله صلى الله عليه واله
[مَا خُيِّرَ عَمَّارٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ
- كلاهما في الله-
إِلَّا اخْتَارَ أَشَدَّهُمَا] [١].
وربما عناه الإمام علي عليه السلام بقوله
[كَانَ لِي فِيمَا مَضَى أَخٌ فِي اللهِ وكَانَ يُعْظِمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ ... وكَانَ إِذَا بَدَهَهُ أَمْرَانِ يَنْظُرُ أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى الهَوَى فَيُخَالِفُهُ] [٢].
فلا عجب إذن أن تنتهي حياة هذا العظيم بالشهادة، بينما يموت ابن العاص على فراش الذنَّب والرذيلة، لأن ابن العاص كان يخشى من شهرة العرب- حسب قول ابن قتيبة- أكثر من خوفه من الله، وكان يبحث عن الرئاسة قبل سعيه لرضى ربه، إن تلك الصفات التي تكرست في نفسه عبر عشرات من المواقف الانهزامية أمام ضغوط الدنيا وإغراءاتها كونت أرضية هزيمته المصيرية باختيار الدنيا على الدين.
ومن هنا نعي أهمية المواقف اليومية ومدى تأثيرها على مستقبل الإنسان، فلا ريب أن الاختيارات اليومية للأصعب في الله، هي التي صنعت إرادة عمار حيث التزم بالخيار الصعب في نهاية الخط، بينما صنعت الاختيارات البسيطة للخطأ الهزيمة الحاسمة أمام الفتنة الكبرى في حياة الآخر.
وفرعون مع ملئه وجنده- الذين تحدثت عنهم آيات هذا الدرس- إنما فشلوا في الفتنة الكبرى لأنهم كانوا ينهزمون أمام الفتن الصغيرة، وهذه من أهم العبر التي نستفيدها من سورة الدخان.
بينات من الآيات
[١٣- ١٤] اختتم الدرس السابق بتصوير الكافرين يدعون ربهم لكشف العذاب عنهم زاعمين أنهم مؤمنون، وهنا يؤكد ربنا أنهم كاذبون، أولم يكفروا بالنذير؟ بلى، إنهم يعيشون اللحظة، فإذا رأوا العذاب جأروا إلى ربهم، وإذا استجاب لهم تراهم ينكثون. إنهم أبناء الظرف
[١] بحار الأنوار: ج ٢٢ ص ٣٢٠.
[٢] نهج البلاغة: حكمة: ٢٨٩.