من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٩ - وألا تعلوا على الله
الحاضر، وليسوا ممن يملك بصيرة المستقبل أو تجربة الماضي.
أَنَّى لَهُمْ الذِّكْرَى أي بعدت واستحالت بالنسبة لهم، لأنهم حين رفضوا الإيمان قبل العذاب لم يكن رفضهم منطقيا إذ لم يقصِّر الرسول في بيان الحق والدعوة إلى الله، حتى عذرهم بأن الأمر كان غامضا. وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ولكنهم عصوه ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ إذ صاروا يختارون ما توحي به شهواتهم ومصالحهم وقيادتهم الباطلة على أمره، وأكثر من ذلك اتهموه وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ فهو ينتمي إلى الآخرين في نظرهم، وهذه تهمة يوجهها الطغاة إلى كل مصلح ومجاهد، حيث يسمونه متآمرا، ويتهمونه بالارتباط بجهات خارجية، ومن جهة أخرى اتهموه بالجنون لما يقدم عليه من أعمال جريئة. حقا إنهم اعترفوا بأنه عالم وشجاع، ولكن منعهم غرورهم من الاعتراف بعظمته ففسروا حكمته بالتعلم، وبطولاته بالجنون، وإذا عرفنا أن رسالته لم تكن ناشئة من الثقافة المنتشرة في مجتمعه فإن اعترافهم ماض في أنه رسول، وحين عرفنا أن شجاعته كانت محسوبة فإن كلامهم اعتراف بأنه توكل على الله فأيده ربه.
[١٥] ولكن مع ذلك قد يرفع الله العذاب عن عباده رحمة بهم، ذلك أن من أهداف إنزاله على الناس إعادتهم للحق، وتصحيح مسيرتهم الخاطئة، عبر بعثهم نحو نقد الذات، كما يقول تعالى فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [الانعام: ٤٢]. فإذا ما تضرعوا رفعه الله عنهم لإقامة الحجة التامة عليهم، وبيان زيف ادعائهم بأنهم تائبون حقا.
إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ وربنا يعلم بحقيقتهم ولكنه يرفعه عنهم بلطفه، فإذا بهم يعودون لما نهوا عنه، مما يجعلهم يستحقون أشد العذاب.
[١٦] وربنا يؤكد بأن العودة إلى المعصية والانحراف تستلزم إرجاع العذاب ولكن بصورة أشد وأقسى، وليس بهدف هدايتهم، بل انتقاما منهم هذه المرة يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ إن العذاب الذي يراه الظلمة في الدنيا ليس سوى نموذج مبسط من العذاب الذي ينتظرهم بعد الموت.
[١٧] ووقوع هؤلاء طعمة للبطشة الكبرى نتيجة طبيعية لفشلهم أمام أعظم فتنة يتعرض لها البشر، وهي فتنة التسليم للقيادة، حيث تولوا عن الرسول وخالفوا أمره، فلن يكون مصيرهم ولا مصير أمثالهم بأفضل من أسلافهم الذين تحدوا قيادة الرسل.* وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ وانبعاث القيادة الرسالية المتمثلة آنذاك في موسى عليه السلام وضع المجتمع كله أمام فتنة كبرى، فهو إما يختار الانحطاط والدمار باتباع الباطل بقيمه ورموزه، وإما يتبع الحق برسالته وقياداته.