من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٠ - وألا تعلوا على الله
[١٨] وقد بيَّن موسى عليه السلام الهدف الأول من رسالته وهو تحرير الإنسان من العبودية للطاغوت، وقد أشارت آيات عديدة إلى أن صبغة رسالة الله إلى موسى كانت تحرير بني إسرائيل من طغيان آل فرعون، إذ كانت هذه أعقد مشكلة حضارية في ذلك العصر، وقد تحدَّت رسالات الله جميعا بؤر الانحراف وعقد المشاكل، فإذا كانت عقدة الحضارة العلو في الأرض، كما نجده في مجتمع عاد، فإن أخاهم هودا نهاهم عن أن يبغوا الفساد في الأرض، وأن يبطشوا بطش الجبارين، أما إذا كانت العقدة الفساد الخلقي كما عند قوم لوط نهاهم رسولهم من ذلك، وقال أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [النمل: ٥٥]، وهكذا. وهكذا جاء موسى محررا لبني إسرائيل من طغيان فرعون، وقال قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِي بَنِي إِسْرَائِيلَ [الأعراف: ١٠٥]، وقال إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: ١٦- ١٧].
وهنا يقول ربنا أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ يعني المستضعفين الذين استعبدتهم الفراعنة. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فلست أريد من تحرير المستضعفين شيئا لنفسي، وإنما أنا أؤدي أمانة الرسالة، وألتزم بها كما يريد الله عز وجل.
[١٩] أما الهدف الآخر لموسى عليه السلام فهو القضاء على الاستكبار بكل أبعاده وصوره، وإعادة الإنسان إلى واقعه الحقيقي، وهو واقع العبودية لربه تعالى، وتكبَّر فرعون وقومه على موسى لم يكن تكبرا عليه وحسب، وإنما كان تكبرا على القيم الحقة، ومن ثَمَّ طلبا للتعالي حتى على الله، وموسى عليه السلام أكد على هذه الفكرة في دعوته لهم.
وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ وإذا كان فرعون قد نصب نفسه إلها أعلى للناس فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى [النازعات: ٢٤]، فإن دعواه هذه باطلة يدحضها موسى بالحجج والبراهين الواضحة.
[٢٠] وحيث يتوقع موسى عليه السلام موقف الرفض والظلم ضد الدعوة الصادقة من قبل فرعون وقومه أكد بأنه لن يخشى أحدا، لأنه يستعيذ بالله منهم.
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ وتكشف هذه الآية الكريمة عن سياسة الطغاة في مواجهة الرسالة، وعموم الأفكار المخالفة لهم، وهي سياسة البطش، ذلك لأنهم لا يملكون قوة المنطق حتى يواجهونها، فيواجهونها بمنطق القوة.
ولعل في الآية تحذير مبطن من قبل موسى، حيث أنذرهم بأنه سوف يستعين بالله في مواجهتهم، وهل تصل أيديهم له لو نصره الله؟، بالطبع كلا ..