من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٢ - إن تنصروا الله ينصركم
وقد قال ربنا سبحانه- وهو يبيِّن الهدف الأول- أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٢]، وقال تعالى- وهو يشير إلى الهدف الآخر- وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٤١].
وإذا كانت الحرب بوتقة تطهِّر المجتمع الإسلامي من العناصر الضعيفة والمنافقة، كما تطهر قلب كل من يخوضها من أدرانه، فإن علينا أن نتخذ منها مدرسة للبطولة والإيثار، لا ننشد منها فخرا ولا نصرا، وإنما نسعى لتزكية أنفسنا فيها، وتربيتها على الشجاعة والفداء، ونتبع في ذلك الإمام عليّاً عليه السلام حيث يقول
[وَاللهِ لَوْ تَظَاهَرَتِ العَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا]
[١]، ويقول وهو يوصي نجله محمد بن الحنفية حين يدفع به في أتون المعركة
[تَزُولُ الجِبَالُ ولَاتَزُلْ عَضَّ عَلَى نَاجِذِكَ أَعِرِ اللهَ جُمْجُمَتَكَ تِدْ فِي الأَرْضِ قَدَمَكَ وارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى القَوْمِ وغُضَّ بَصَرَكَ واعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ سُبْحَانَهُ] [٢].
وإذا كان الهدف الأساس من الحرب ابتلاء المؤمنين فإن النصر من عند الله، ينزله عليهم متى تمت حكمة الابتلاء، وعلم منهم الصبر والاستقامة، سواء توافرت عوامل النصر المادية، أم لا، ومعرفة هذه الحقيقة تزيد الجيش الإسلامي بطولة واستبسالا وصبرا واستقامة.
وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ لأنهم مضوا على النهج الإلهي، واستشهدوا في سبيل الله، فإن الله الذي لا تضيع عنده الودائع، الله الذي له ملك السماوات والأرض. إنه سبحانه يحفظ أعمالهم، ويؤيد بقدرته القضية التي ضحَّوا من أجلها، وهذا هو أهم ما ينشده العاملون في سبيل الله. ونستوحي من هذه الآية أن الدم المقدَّس الذي يرخصه صاحبه في سبيل الله هو السياج المنيع لقيم الرسالة.
وربما أشار إلى ذلك الحديث المأثور عن الإمام الصادق عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه واله في فضل الجهاد في سبيل الله
[لِلْجَنَّةِ بَابٌ يُقَالُ لَهُ: بَابُ المُجَاهِدِينَ يَمْضُونَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ مَفْتُوحٌ وهُمْ مُتَقَلِّدُونَ بِسُيُوفِهِمْ والجَمْعُ فِي المَوْقِفِ والمَلَائِكَةُ تُرَحِّبُ بِهِمْ. ثُمَّ قَالَ: فَمَنْ تَرَكَ الجِهَادَ أَلْبَسَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ذُلًّا وفَقْراً فِي مَعِيشَتِهِ ومَحْقاً فِي دِينِهِ إِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أَغْنَى أُمَّتِي بِسَنَابِكِ خَيْلِهَا ومَرَاكِزِ رِمَاحِهَا] [٣].
[٥] الأمة التي تجاهد في سبيل الله لا تضيع جهودها، ولا تضلُّ أعمالها. إنها سوف تحقق
[١] نهج البلاغة: كتاب: ٤٥.
[٢] مستدرك الوسائل: ج ١١ ص ٨٦.
[٣] الكافي: ج ٥ ص ٢.