من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٩ - لقد صدق الله رسوله الرؤيا
عن القيم والقائد الحق.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ بينما خذل من جهة أخرى فلول الكفار، لأن هؤلاء ينصرونه فهم أولى بنصره، بينما ينصر أولئك أصنامهم وشهواتهم. ولعل هذه السكينة كانت أعظم وسيلة لنصرهم، فمن اطمأن إلى سلامة خطه حارب دونه بشجاعة فائقة، بينما الذي يحارب للعصبيات الزائفة ينهزم نفسيا قبل أن ينهزم عسكريا، وقد قيل: الحرب صراع إرادات، ولا ريب أن إرادة صاحب السكينة أمضى.
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وكانت كلمة التقوى مقابل الحمية التي تعشعش في قلوب الكافرين، ومن شواهد التزام المؤمنين بها في سلوكياتهم موقف رسول الله صلى الله عليه واله حينما أراد التوقيع على الصلح، فأنكروا عليه كلمة الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأن يُسمَّى رسول الله، فقد تنازل عن ذلك لمصلحة الرسالة مع أن الموقف كان محرجا ولكنه صلى الله عليه واله لم تأخذه الحمية، ولم يسمح للعواطف المستثارة أن تؤثر في خططه الرشيدة.
إن التقوى ليست مجرد كلمة يقولها الإنسان، بل هي برنامج متكامل والتزامات يفرضها الدين على أتباعه، ومن دونها لا يكون أحد متقيا، لأن للمتقي صفات وعلامات من أبرزها التزامه بقيمة التقوى في كل ظرف أو وضع نفسي يمر به، فإذا سخط لم يخرجه سخطه عن رضى ربه، وإذا رضي لم يدخله رضاه في سخطه، إنما هو ملتزم برضى الله، يسخط لسخطه ويرضى لرضاه عز وجل.
وجاء في رواية عن أبي جعفر عليه السلام
[إِنَّمَا المُؤْمِنُ الَّذِي إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي إِثْمٍ ولَا بَاطِلٍ وإِذَا سَخِطَ لَمْ يُخْرِجْهُ سَخَطُهُ مِنْ قَوْلِ الحَقِّ والَّذِي إِذَا قَدَرَ لَمْ تُخْرِجْهُ قُدْرَتُهُ إِلَى التَّعَدِّي إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍ]
[١]. وقال الصادق عليه السلام
[مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ إِذَا رَغِبَ وإِذَا رَهِبَ وإِذَا اشْتَهَى وإِذَا غَضِبَ وإِذَا رَضِيَ حَرَّمَ اللهُ جَسَدَهُ عَلَى النَّارِ]
[٢]. وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عليهما السلام قَالَ
[قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله مَا أَنْفَقَ مُؤْمِنٌ نَفَقَةً هِيَ أَحَبُّ إِلَى الله عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَوْلِ الحَقِّ فِي الرِّضَا وَالغَضَبِ] [٣].
ولعل الآية تشير- فيما تشير إليه- إلى أن المتقي الحقيقي يزيده الله تقوى وإيمانا كلما واجه ظرفا صعبا، لأنه إذا عمل آنئذ بموجب تقواه تكرَّست في نفسه التقوى .. هكذا حين عمل
[١] الكافي: ج ٢ ص ٢٣٤.
[٢] من لا يحضره الفقيه: ج ٤ ص ٤٠٠.
[٣] بحار الأنوار: ج ٦٨ ص ٣٥٨.