من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٩ - وأثابهم فتحا قريبا
قبول لتوبتهم، ثم حذرهم من عواقب الرفض لأمر الله الذي يستتبع العذاب والخسارة.
فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمْ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ لما دعاكم الرسول إلى المسير إلى مكة قبل صلح الحديبية، فجبنتم بسبب سوء الظن بالله، وقدمتم المعاذير الواهية يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً.
[١٧] وبمناسبة الحديث عن الأعذار التي كان يسوقها المتخلفون يبين السياق الأعذار المشروعة التي تسقط القتال عن المؤمن، لكي تتوضح ولا يتشبث المتقاعسون بكل عذر تافه للتنصل عن مسؤولية القتال.
لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وهذه من سماحة الإسلام ونظرته المتوازنة للأمور أنه في الوقت الذي يشدد على موضوع القتال لا يغفل عن بيان الأعذار الحقيقية التي يعذر في إطارها المتخلفون، ثم يجعل الحد الفاصل في إقرار هذه الأعذار أو رفضها رأي القائد، لأنه هو الذي يحدد متى تكون هذه الأعذار الآنفة الذكر مقبولة كمانع عن القتال، فمن يحدد- مثلا- أن الأعمش يلحق بالأعمى، وما درجة ضعف العين الذي يسقط بموجبه الجهاد عن صاحبه، وما درجة العرجة، وهل أن المرض الذي لا يمنع عن القتال- كمرض السكري- يُعَدُّ عذرا؟ ثم إن هناك أعذارا حقيقية لم يتعرض لها النص، مثل شلل اليدين، والبدانة المفرطة، والسفه ..، ولعله لذلك أكد ربنا بعد ذكر الأعذار الشرعية على طاعة القيادة، فقال
وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وإذ يَعِدُ الله الطائعين له ولرسوله بهذا الجزاء، ويشير في علاجه لمثل هذه القضية إلى موضوع الآخرة، فلأن العامل الأساسي الذي يدفع الإنسان للفرار من ساحة المعركة، أو للتمرد على أوامر القيادة الرسالية بشكل عام، هو التشبث بحطام الدنيا الزائل، وهكذا يخلق التذكر بالآخرة معادلة في ضمير الإنسان وعقله بين نتائج الهزيمة السلبية، ومعطيات الثبات والطاعة الايجابية العظيمة، وتأتي في البين خاتمة الآية لترجع فرار الطاعة والثبات على فرار الهزيمة بإثارة عامل الخوف والرهبة من عذاب الله عند الإنسان وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً والتولي هو الفرار من الزحف والجهاد في سبيل الله، الأمر الذي يستوجب العذاب الأليم.
[١٨- ١٩]* لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أما هدف العهد مع الله فإنه يستمطر رضاه وثوابه، فقد وسعت مرضات الله المؤمنين حين بايعوا رسول الله على القتال حتى الموت بين يديه، وذلك قبل أن يبرم الصلح، فلما رأى المشركون عزم