من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٨ - وأثابهم فتحا قريبا
[١٦] ومع أن الله يُفشِل كل محاولاتهم لتبرير تخلفهم أولا ثم عودتهم إلى صفوف المسلمين فإنه يفتح أمامهم طريقا للتوبة، والطريق الواسع إلى رحاب التوبة بالانتماء الحقيقي، إذ ليس صعبا أن ينتمي الشخص إلى صف الرساليين ظاهرا، وإنما الصعب أن يكون انتماؤه انتماء حقيقيا تكشف عنه استقامته في الظروف الصعبة.
وحيث مرَّ هؤلاء بتجربة عملية كشفت للقيادة الرسالية والمؤمنين ضعف انتمائهم، فهم بحاجة إذن إلى تجربة أخرى تثبت صدق توبتهم، ولا شك أن الذي يتوب عن صدق سوف يقبل بما يشترط عليه ليكون دليلا لتوبته، يحدوه إلى ذلك خوفه من الله، وإحساسه بضرورة التكفير عن ذنبه، ولذلك أمر الله رسوله أن يلزم التائبين من المخلفين بشرط الثبات في المواقف المستقبلية، ولعله عبر في مطلع الآية بكلمة قُلْ لبيان أن الشرط إنما هو من عند الله عز وجل، وليس من لدن الرسول صلى الله عليه واله حتى يمنع بذلك أي محاولة أخرى للاعتراض أو التبرير.
قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ والاحتمال الأقوى أنهم يختارون الحرب ولو في بادئ الأمر، على الأقل ثقة بالنصر على المسلمين واعتمادا على قوتهم الظاهرية، إذن فالابتلاء عظيم، والامتحان عسير، يحتاج فيه هؤلاء عزما راسخا وإرادة قوية لكي يثبتوا صدق توبتهم، لكي تقبلهم القيادة الرسالية في تجمعها، ولا يخوض غمار هذا الابتلاء إلا الصادقون، أما الانتهازيون والمصلحيون فإنهم لن يجازفوا بأنفسهم.
وبالرغم من أن القرآن يشجع المؤمنين في الأغلب على الحرب يبعث الأمل بالنصر في أنفسهم، إلا أنه هذه المرة يصف العدو بالشدة لأنه يتناسب مع هدف هذه الآية والقضية التي جاءت بصددها وهو امتحان المخلفين ليثبتوا جدارتهم للانتماء إلى صف المؤمنين، بعد أن فقدوها بالانهزام السابق.
وقد اختلف المفسرون في تحديد المعركة التي تشير إليها هذه الآية الكريمة، فقال بعضهم: إنها حرب المسلمين مع الروم، وقال جماعة: إنها حرب المسلمين مع المرتدين بعد الرسول صلى الله عليه واله، وقال آخرون: إنها الحرب التي دارت رحاها على الفرس، وقيل أنها الحرب مع هوازن وثقيف بعد فتح مكة، ولعل هذا المحمل هو الأقرب إلى جو الآيات وإيحاءاتها التي تفيد الحديث عن عصر الرسول لا بعده، حيث إن غزوة حنين كانت أعظم الغزوات بعد صلح الحديبية ثم فتح مكة.
ورغَّبهم في قبول هذا الشرط بالترغيب في ثواب الله وعطائه، وما يترتب على ذلك من