من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٥ - إنا فتحنا لك فتحا مبينا
صلح الحديبية
وقبل إنهاء الحديث في هذا الدرس لا بأس أن نقرأ جانبا من قصة الصلح التي تنفع الأمة الإسلامية في بعض ظروفها، فهي حينما تصالح عدوها عن قوة ومناورة حكيمة فإن صلحها حينئذ سيكون كصلح الحديبية، أما لو صالحت عن ضعف، وكانت مكاسب العدو منها أكبر من مكاسبها من الصلح فإن ذلك استسلام لا يقبله الله.
جاء في تفسير علي بن إبراهيم عن الإمام الصادق عليه السلام قال
[كَانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ وَهَذَا الفَتْحِ العَظِيمِ أَنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ رَسُولَ الله صلى الله عليه واله فِي النَّوْمِ أَنْ يَدْخُلَ المَسْجِدَ الحَرَامَ وَيَطُوفَ وَيَحْلِقَ مَعَ المُحَلِّقِينَ. فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَأَمَرَهُمْ بِالخُرُوجِ فَخَرَجُوا فَلَمَّا نَزَلَ ذَا الحُلَيْفَةِ أَحْرَمُوا بِالعُمْرَةِ وَسَاقُوا البُدْنَ وَسَاقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله سِتّاً وَسِتِّينَ بَدَنَةً، وَأَشْعَرَهَا عِنْدَ إِحْرَامِهِ، وَأَحْرَمُوا مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ مُلَبِّينَ بِالعُمْرَةِ. وَقَدْ سَاقَ مَنْ سَاقَ مِنْهُمُ الهَدْيَ مُعَرَّاتٍ مُجَلَّلَاتٍ. فَلَمَّا بَلَغَ قُرَيْشٌ
[قُرَيْشاً]
ذَلِكَ بَعَثُوا خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ كَمِيناً لِيَسْتَقْبِلَ رَسُولَ الله صلى الله عليه واله، فَكَانَ يُعَارِضُهُ عَلَى الجِبَالِ فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ حَضَرَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ، فَأَذَّنَ بِلَالٌ وَصَلَّى رَسُولُ الله صلى الله عليه واله بِالنَّاسِ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ: لَوْ كُنَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ فِي الصَّلَاةِ لَأَصَبْنَاهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَايَقْطَعُونَ صَلَاتَهُمْ وَلَكِنْ يَجِيءُ لَهُمُ الآنَ صَلَاةٌ أُخْرَى، أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ ضِيَاءِ أَبْصَارِهِمْ، فَإِذَا دَخَلُوا فِي الصَّلَاةِ أَغَرْنَا عَلَيْهِمْ. فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه واله بِصَلَاةِ الخَوْفِ فِي قَوْلِهِ
وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ ....
الآيَةَ، فَلَمَّا كَانَ فِي اليَوْمِ الثَّانِي نَزَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله الحُدَيْبِيَةَ، وَهِيَ عَلَى طَرَفِ الحَرَمِ، وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله يَسْتَنْفِرُ الأَعْرَابَ فِي طَرِيقِهِ مَعَهُ فَلَمْ يَتَّبِعْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَيَقُولُونَ: أَيَطْمَعُ مُحَمَّدٌ، وَأَصْحَابُهُ أَنْ يَدْخُلُوا الحَرَمَ، وَقَدْ غَزَتْهُمْ قُرَيْشٌ فِي عُقْرِ دِيَارِهِمْ فَقَتَلُوهُمْ، إِنَّهُ لَايَرْجِعُ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى المَدِينَةِ ....] [١].
ومن هذه الرواية نعرف بأن الأعراب لم يدخلوا الإسلام، ولم يقبلوا دعوة الرسول صلى الله عليه واله قبل الصلح. وفي رواية أخرى قال ابن عباس: [إن رسول الله صلى الله عليه واله خرج يريد مكة فلما بلغ الحديبية وقفت ناقته وزجرها فلم تنزجر وبركت الناقة فقال أصحابه: خلأت الناقة فقال صلى الله عليه واله
مَا هَذَا لَهَا عَادَةً وَلَكِن حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيْلِ
، ودعا عمر بن الخطاب ليرسله إلى أهل مكة ليأذنوا له بأن يدخل مكة ويحل من عمرته وينحر هديه، فقال: يا رسول الله ما لي بها حميم وإني أخاف قريشا لشدة عداوتي إياها ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني عثمان بن عفان، فقال صدقت، فدعا رسول الله صلى الله عليه واله عثمان فأرسله إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته فاحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله صلى الله عليه واله
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٠٢، بحارالأنوار، ج ٢٠، ص ٣٤٧.