من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٧ - ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا
وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إن صلاح الذرية يكرِّس مكاسب هذا الجيل الحضارية، ويبقى لهم الذكر الحسن، ويكون بمثابة صدقة جارية تغدق عليهم الثواب وهم مستريحون في أجداثهم، ولعله لهذه الأسباب جاء التعبير القرآني لِي، بلى، إن فائدة صلاح الذرية لي قبل غيري.
إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ فخلال رحلة العمر ذات الأربعين ربيعا أزاغته الذنوب عن صراط ربه العزيز الحميد، وقد ذهبت الآن غشاوة السهو عنه، كما تلاشت لذَّات الشهوات، وأزالت طوارق الزمن سكرة الشباب، واكتمل عقله، وعرف أن طريق الفلاح ينحصر في التوبة إلى الله عز وجل.
لقد قرأت أخيرا في مجلة غربية واسعة الانتشار مقالا يدعو من بلغ الأربعين ألَّا يحاول تغيير عاداته، ويبدو أن الكاتب كان يعتمد في ذلك على أن الإنسان في مثل هذا الوقت لا يملك إرادة التغيير، وهذا ينسجم مع النظرة المادية إلى الإنسان، وتلخيص دوافعه في الشهوات الدنيوية التي تتراجع عند سن الأربعين ويتلاشى بعضها مما لا يجد دافعا نحو التغيير، بينما البصيرة القرآنية تدعونا إلى التوبة عند سن الأربعين، حيث يكتمل العقل، وتلتهب جذوة الضمير، وتتهيأ فرصة الإصلاح، وتتنامى دواعي الخير وبواعث الفضيلة فيه.
وهكذا يكون عقد الأربعين أفضل مناسبة للثورة الذاتية، بالتوبة إلى الله، والتسليم للشريعة التي تخاطب العقل، وتذكي دواعي السعي للآخرة التي يكون صاحب الأربعين أقرب إليها من غيره.
وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ فإذا دعتني سكرة الشباب إلى التمرد رَدَحاً من الزمن فها أنا ذا اليوم أعترف بالذنب، وأخضع لك يا ربِّ خضوعا تاما، وأفتش في صفحات تاريخي، فإذا وجدت فاحشة هنا وخطيئة هناك، وظلما للناس، وغصبا للحقوق، وانحرافا في العقيدة وزيفا في الثقافة، وعادات سيئة وما أشبه، فإني أسعى لتغييرها والتخلص من وزرها وتبعاتها بتوفيقك. أوَلَيس كل ذنب وزيغ وانحراف يخلف أثره في قلب الإنسان، دعنا إذا نتخلص منه بالتوبة، لنطهر القلب من أدرانه، والسلوك من سيئات العادات، ونترك جانبا الاستخفاف بالقيم، والتهاون بالواجبات والسهو عن الصلاة والزكاة و ..
[١٦] وبالرغم من ابتعاد هذا الفريق من الناس حينا عن الصراط السوَّي فإن توبتهم مقبولة، ويتقبل الله حسناتهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، ويدخلهم الجنة مع الصالحين من عباده.
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وإنما يتقبل الله من المتقين، وقد يتقبل من