من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٩ - بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان
كلا؛ إن البشر قد خلقوا جميعاً من الماء؛ من تراب؛ من صلصال؛ من حمأً مسنون؛ من نفس واحدة، وجعل منها زوجها من ذكر وأنثى. وحتى قادة البشر الانبياء عليهم السلام، إنما هم بشر وإن ما يفضلهم الوحي.
إن هذه البصيرة التي تمهِّد السبيل الى عولمة القيم المثلى، وتكرّس حقوق البشر بأمثل ما تصبو اليه المبادئ الأخلاقية، إنها ركيزة أساسية من ركائز التشريعات الاسلامية.
إن أصل البشر الواحد، توحي إلينا فيما توحيه من حقائق وبصائر، أنه لا يجوز أن نغلو في أحد ونرفعه الى مستوى ادعاء الإلوهية، ولا يجوز لنا أن نغلو بالسلاطين لنجعل منهم أنصاف آلهة، أو أن نتعصب لأنفسنا أو لغيرنا بما يعود إلى عنصرنا أو دمنا أو ما أشبه.
وقد استفادت النصوص الدينية من هذه البصيرة؛ المساواة بين أبناء البشر، حين جاء في حديث شريف المروي عن رسول الله صلى الله عليه واله: [...
أَلَا إِنَّ النَّاسَ وُلْدُ آدَمَ وَآدَمَ مِنْ تُرَابٍ] [١].
ولأن بصيرة وحدة البشر في أصل الخلقة ركيزة أساسية في النظام المعرفي والثقافي والتشريعي للدين الحنيف، فإنها تصبغ أحكام الإسلام بصبغة التوحيد، الذي يتضاد أساساً مع كل لون من ألوان الشرك؛ ينفي استعباد الناس بعضهم لبعض باسم الدين أو باسم العنصرية أو القومية أو الطبقية، كما ينفي تسلط الناس بعضهم على بعضهم بقوة النار والحديد أو بجاذبية الثروة أو حتى باسم التقدم العلمي. وهكذا ينفي التمايز بين الناس بالدم أو بالولادة في أرض أو بالسكن في منطقة أو بالانتساب الى مبدء أو ما أشبه، اللهم إلّا بالتقوى (الايمان والعمل الصالح).
من أجل ذلك دعت رسالات الله إلى رفض القيم الجاهلية التي ما أورثت الإنسانية إلا خبالا .. والاستعاضة عنها بقيمة التقوى .. وقالت الآية الكريمة يَا أَيُّهَا النَّاسُ والخطاب لم يخص المؤمنين بالرغم من أن سياق السورة يقتضي ذلك، لأنه كان ينظم العلاقة بينهم. ربما لأن هذه تنفع البشرية كما تنفع المؤمنين، وإذا كان الناس جميعا مدعوين إليها فالمؤمنون أولى بالتمسك بها. ثم إن علاقة المؤمنين بغيرهم ينبغي أن تقوم على أساس هذه البصيرة، فلا يجوز أن يَعُدُّ العرب منهم أنهم الأعلى بلغتهم أو عنصرهم، فتشكل هذه العقيدة الجاهلية حاجزا دون دخول سائر الشعوب في دين الله.
الخطاب هنا إلى الناس جميعاً، بغض النظر عن هويتهم العرقية أو انتمائهم الديني أو لغتهم أو ثقافتهم، وعلى المؤمنين أن يعتمدوها في صلاتهم بالمجتمع البشري كله.
[١] وسائل الشيعة: ج ١٦، ص ٤٣.